رأي

سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. القوة العربية المشتركة: الطريق إلى كسر زمن الهزيمة*

لقد مر أكثر من أحد عشر عاماً على الدعوة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال القمة العربية التي عُقدت في مدينة شرم الشيخ في مارس 2015، لإنشاء قوة عربية مشتركة. آنذاك، لم تكن المبادرة مجرد اقتراح دبلوماسي أو شعار مرحلي للاستهلاك الإعلامي، بل كانت رؤية استراتيجية عميقة تستشرف واقعاً عربياً مأزوماً، ينهار أمام أعيننا بفعل غياب التنسيق، وضعف العمل العربي الجماعي، وتراجع قدرة الدول على الدفاع عن أمنها ومصالحها.

في تلك القمة المصيرية، تقدّم الرئيس السيسي بمبادرة واضحة المعالم لتشكيل قوة عربية عسكرية مشتركة، تعمل تحت مظلة جامعة الدول العربية، وتكون جاهزة للتدخل السريع عند الحاجة. وقد أكد أن الهدف من هذه القوة ليس العدوان أو الهيمنة، بل صون الأمن القومي العربي، والتصدي للإرهاب والجماعات المسلحة، وتوفير الاستجابة الفعّالة للأزمات التي تهدد الدول العربية.
المبادرة نصّت على أن الانضمام إليها سيكون طوعياً، ما يفتح الباب أمام كل دولة راغبة في حماية الأمن العربي المشترك، دون إلزام سياسي أو عسكري. وقد وافقت القمة بالإجماع من حيث المبدأ على المقترح، وكُلفت اللجنة المعنية من وزراء الدفاع والخارجية العرب بوضع آليات التنفيذ. لكن، ورغم مرور أكثر من عقد، لا تزال هذه القوة في إطار الفكرة، ولم تنتقل إلى حيز التنفيذ الفعلي، بسبب غياب الإرادة السياسية الموحدة.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يبدو أن ما حذر منه الرئيس السيسي في 2015 أصبح واقعاً مريراً. الفراغ الاستراتيجي العربي أتاح لقوى إقليمية ودولية فرض وقائع جديدة على الأرض، على حساب مصالح العرب وسيادتهم. القوى الكبرى تنظر إلى منطقتنا كـ”حلقة رخوة”، يسهل اختراقها وتطويعها، بينما الموقف العربي الجماعي يتأرجح بين بيانات شكلية، وتحركات فردية غير منسقة.
أزمات متلاحقة في فلسطين، سوريا، اليمن، السودان، ليبيا وغيرها، تؤكد أن المنطقة تعاني هشاشة أمنية غير مسبوقة. وما يحدث اليوم في غزة، من عدوان وحصار ودمار شامل، يقدّم الدليل الأقوى على غياب ردع عربي موحّد، وعدم وجود آلية جماعية تحمي الشعب الفلسطيني أو تفرض الإرادة العربية في أي ملف مصيري.
في ظل هذا المشهد الممزق، تتجلى أهمية الدور المصري. مصر، بما لها من ثقل تاريخي، وقدرات عسكرية، وموقع جغرافي استراتيجي، ليست مجرد دولة كبرى، بل هي الركيزة الأساسية لأي مشروع عربي جاد. لقد أثبتت القاهرة مراراً، قدرتها على قيادة المبادرات العربية الكبرى، وصون الاستقرار الإقليمي، وتحريك المشهد السياسي نحو توازن حقيقي.
إن نجاح مشروع القوة العربية المشتركة مرهون بقيادة مصرية قوية ومتماسكة، وبإرادة عربية تدرك أن اللحظة لا تحتمل المزيد من التردد. مصر، التي خاضت معارك العرب في التاريخ، قادرة على توحيد الرؤى وتحويل الفكرة إلى واقع ملموس، إذا وجدت الدعم العربي الصادق والرغبة الحقيقية في التغيير.
القوة العربية المشتركة لم تعد ترفاً استراتيجياً أو خياراً، قابلاً للنقاش، بل باتت ضرورة مصيرية لمواجهة التحديات الوجودية التي تهدد الأمة. هذه القوة هي الوسيلة الوحيدة لكسر زمن الهزيمة، وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة العربية، واسترجاع ثقة الشعوب بقادتها ومصيرها.
الرهان اليوم ليس على تشكيل جيوش ضخمة، بل على إرادة سياسية شجاعة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتتحرك وفق منطق المصير المشترك. القوة العربية المشتركة يمكن أن تكون نقطة تحول فارقة في مسار العالم العربي، إذا تم التعامل معها كمشروع سياسي وعسكري واستراتيجي متكامل، لا كمجرد رد فعل على الأزمات.
لقد استهلكنا سنوات طويلة من الانتظار والتأجيل، في حين يكتب الآخرون تاريخ المنطقة بدماء شعوبها، وبقرارات تُتخذ خارج العواصم العربية. لكن التاريخ لا يمنح الكثير من الفرص. الفرصة الثالثة قد لا تأتي، والمطلوب الآن هو التحرك الفوري لتفعيل مشروع القوة العربية المشتركة.
إنها دعوة صريحة لكل صانع قرار عربي، كفى بيانات شكلية، كفى مؤتمرات فارغة، وكفى رهانات خاسرة على حلول خارجية. مصر قدّمت الرؤية، واللحظة الآن تتطلب أن يمد العرب أيديهم لصناعة قدر مشترك، عنوانه الكرامة والسيادة والردع.
القوة العربية المشتركة ليست حلماً بعد اليوم إنها معركة وجود ومسؤولية تاريخية.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى