رامي زهدي يكتب.. مصر والسودان.. وحدة المصير في مواجهة الفتن ومؤامرات تفكيك الثقة

ليست العلاقة بين مصر والسودان مجرد علاقة جوار فرضتها الجغرافيا، ولا رابطة تاريخية تستدعيها المناسبات الرسمية والخطابات السياسية، بل هي واحدة من أكثر العلاقات تشابكا في الإقليم، بحكم النيل الذي يجري بين البلدين والبحر الأحمر الرابط الوثيق بينهما، والامتداد الاجتماعي والثقافي، والتداخل الاقتصادي، والمصالح الأمنية التي يصعب فصلها بحدود سياسية، وعلى امتداد قرون عديدة، أثبتت الوقائع أن ما يحدث في القاهرة لا يبقى بعيدا عن الخرطوم، وأن ما يصيب السودان من اضطراب أو تفكك لا يمكن أن يظل شأنا سودانيا خالصا، كما أن استقرار مصر وأمنها المائي والإقليمي يرتبطان، بدرجات مختلفة، بما يجري جنوب حدودها.
لكن هذه الحقيقة لا تعني أن التاريخ المصري السوداني كان تاريخا مثاليا خاليا من الخلافات، أو أن وحدة المصير تفرض تطابقا كاملا في الرؤى والمواقف، فقد شهدت العلاقة فترات من التقارب والتعاون، وأخرى من التنافس وسوء الفهم والتوتر، كما تشكلت داخل كل بلد اتجاهات سياسية واجتماعية مختلفة في تقييم العلاقة بالطرف الآخر، ومن هنا، فإن القراءة الاستراتيجية الرصينة لا تبحث عن رواية مبسطة تجعل كل خلاف مؤامرة خارجية، ولا عن سردية مضادة تنكر أثر التدخلات والمنافسات الإقليمية والدولية، وإنما تحاول فهم الكيفية التي تداخلت بها المصالح المحلية مع حسابات القوى الخارجية، وكيف أمكن في مراحل متعددة توظيف الخلافات القائمة لإضعاف الثقة بين الشعبين عن عمد وترصد.
فالمؤامرة، حين تكون موثقة، تستحق الكشف والتحليل، لكن تحويلها إلى تفسير جاهز لكل أزمة يحجب الأسباب الحقيقية ويعفي المؤسسات والنخب من مسؤولية مراجعة أخطائها، وفي المقابل، فإن تجاهل دور القوى الخارجية في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة ومصادر المياه والمواقع الاستراتيجية، هو أيضا قراءة ناقصة للتاريخ، والحقيقة أن العلاقة المصرية السودانية كانت، ولا تزال، ساحة تتفاعل فيها ثلاثة مستويات: مصالح الشعبين، وحسابات القوى السياسية داخل البلدين، ومصالح القوى الإقليمية والدولية التي تنظر إلى وادي النيل والبحر الأحمر بإعتباره مجالا استراتيجيا مؤثرا في الأمن والاقتصاد والتوازنات الإفريقية.
تعود جذور التشابك الحديث بين مصر والسودان إلى مراحل سبقت قيام الدولة الوطنية بصورتها المعاصرة، فمنذ القرن التاسع عشر، ارتبطت مناطق واسعة من وادي النيل بإدارة سياسية وعسكرية واقتصادية مشتركة، لكن هذه التجربة لم تكن خالية من التفاوت في السلطة أو من التنافس بين المصالح المحلية والخارجية، ومع الاتفاق الثنائي الذي وقعته بريطانيا ومصر عام 1899، دخل السودان مرحلة الحكم الثنائي، غير أن السلطة الفعلية تركزت تدريجيا في أيدي الإدارة البريطانية، وهو ما جعل العلاقة أكثر تعقيدا من مجرد شراكة متكافئة بين دولتين.
ولم يكن الوجود البريطاني في السودان تفصيلا عابرا؛ فقد كان جزءا من استراتيجية استعمارية أوسع هدفت إلى التحكم في المجال الجغرافي لوادي النيل، وتأمين المصالح البريطانية، وإدارة العلاقة بين مصر والسودان بما يتوافق مع ميزان القوى الإمبراطوري، وفي عام 1924، تصاعد الخلاف بين السلطات البريطانية والمصريين في السودان، وانتهى بإبعاد مسؤولين وقوات مصرية من البلاد، في سياق أزمة سياسية وأمنية عكست عمق الصراع على النفوذ، وتوضح الدراسات التاريخية أن الإدارة البريطانية لم تكتف بإدارة الإقليم، بل أسهمت أيضا في تشكيل تفاوتات بين مناطقه، انعكست آثارها على مسار الدولة السودانية بعد الاستقلال.
ومع ذلك، فإن اختزال كل ما جرى في تلك المرحلة في خطة واحدة لتقسيم البلدين لا يقدم تفسيرا كافيا، فقد كان هناك أيضا نمو متصاعد للوعي الوطني السوداني، وتبلور لمطالب الاستقلال وتقرير المصير، وتباين في الرؤى حول شكل العلاقة المستقبلية مع مصر، وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بوضوح واحترام؛ فالسودان لم يكن مجرد مساحة تتنافس عليها القوى، بل مجتمعا يمتلك هويته وتاريخه وتطلعاته السياسية، وكان حق شعبه في تقرير مصيره جزءا أساسيا من المسار الذي قاد إلى الاستقلال.
وفي فبراير 1953، وقعت مصر وبريطانيا اتفاقا بشأن السودان أتاح مرحلة انتقالية انتهت إلى تقرير مصيره، ثم أعلن البرلمان السوداني في ديسمبر 1955 استقلال البلاد، وأصبح السودان دولة مستقلة في يناير 1956، وقد مثل هذا التحول لحظة تأسيسية في تاريخ العلاقة، إذ انتقل البلدان من إطار تاريخي وإداري متداخل إلى علاقة بين دولتين مستقلتين، يفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون والمصالح المشتركة.
غير أن الاستقلال السياسي لم ينه تلقائيا الأسئلة الصعبة المتعلقة بالحدود والمياه والتجارة وحرية الحركة وتوزيع النفوذ، فالدول قد تتشارك التاريخ والجغرافيا، لكنها تحتاج إلى مؤسسات وقواعد واضحة لإدارة مصالحها، وكلما تأخرت هذه المؤسسات أو بقيت الملفات الحساسة دون تسويات مستقرة، أصبحت أكثر قابلية للتوظيف السياسي، سواء من جانب قوى داخلية تسعى إلى تعزيز موقفها، أو أطراف خارجية ترى في الخلاف فرصة لتوسيع نفوذها.
وكانت سنوات ما بعد الاستقلال اختبارا حقيقيا لهذه المعادلة، ففي نوفمبر 1958، شهد السودان انقلابا عسكريا بقيادة الفريق إبراهيم عبود، في أعقاب أزمة سياسية داخلية، ولم يكن ذلك الانقلاب، في حد ذاته، دليلا على مؤامرة مصرية أو خارجية بعينها، لكنه كشف مبكرا هشاشة التجربة البرلمانية وصعوبة بناء توافق مستقر حول إدارة الدولة، وفي السنوات التالية، تعاقبت التحولات السياسية والانقلابات والثورات، وأصبحت العلاقة مع مصر تتأثر بتغير الحكومات وتبدل الأولويات، لا فقط بعمق الروابط التاريخية بين المجتمعين.
ومن هنا تبرز إحدى أهم حقائق التاريخ المشترك: أن الروابط الشعبية العميقة لا تحصن العلاقات الثنائية تلقائيا من أخطاء السياسة، فكلما ضعفت المؤسسات، وتراجعت قنوات الحوار، وتحولت الخلافات إلى أدوات للتعبئة الداخلية، أصبح من السهل أن تتسع المسافة بين القاهرة والخرطوم حتى عندما تظل المصالح الاستراتيجية الأساسية قائمة.
ويأتي ملف حلايب وشلاتين وأبو رماد في مقدمة الملفات التي ظلت تلقي بظلالها على العلاقة، فقد تحول النزاع الحدودي إلى مصدر دائم للتوتر السياسي، وتداخل مع قضايا السيادة والموارد والتمثيل والذاكرة الوطنية، وفي يونيو 1995، وقع تبادل لإطلاق النار بين قوات مصرية وسودانية في منطقة حلايب المتنازع عليها، وسط تصاعد التوتر عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا، وتناولت تقارير صحفية معاصرة احتمال وجود صلة سودانية بالحادث، لكن الربط بين الوقائع والجهات المسؤولة يحتاج إلى أدلة محددة، ولا يصح التعامل مع الاتهامات التي ظهرت في أجواء الأزمة باعتبارها حقائق مثبتة بذاتها.
وتكشف هذه المحطة كيف يمكن أن تتفاعل الخلافات الحدودية مع أزمات الأمن والثقة، بحيث تتجاوز الواقعة المباشرة إلى إعادة تشكيل التصورات السياسية المتبادلة، كما تكشف خطورة ترك الملفات الحساسة دون آليات مستدامة لإدارتها؛ إذ تصبح كل أزمة جديدة محملة بأعباء الأزمات السابقة، وتتحول الذاكرة السياسية إلى عامل يضاعف الشكوك بدلا من أن تساعد على تجاوزها.
ولا يمكن فهم تاريخ العلاقات المصرية السودانية من دون النظر إلى ملف مياه النيل، فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي، وإنما عنصر أساسي في الأمن القومي والتنمية والزراعة والطاقة، وهي في الوقت نفسه مجال يتطلب تعاونا بين دول الحوض، وبالنسبة إلى مصر والسودان، فإن النهر يمثل شريانا للحياة والاقتصاد، لكنه يضع البلدين أيضا أمام مسؤولية مشتركة في إدارة الموارد، وتبادل البيانات، والتعامل مع المشروعات المائية الكبرى، وحماية احتياجات السكان.
وقد أظهرت التحولات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي أن قضايا المياه يمكن أن تعيد ترتيب الأولويات والتحالفات، وأن اختلاف التقديرات الوطنية بشأن السد وإدارته قد ينعكس على مستوى التنسيق بين القاهرة والخرطوم، لكن من الخطأ النظر إلى هذه الملفات باعتبارها مواجهة ثنائية مغلقة؛ فهي تتصل كذلك بمصالح إثيوبيا وبقية دول حوض النيل، وبالقانون الدولي، وبحاجة جميع الأطراف إلى تنمية مواردها دون إحداث أضرار جسيمة بالآخرين، ولذلك فإن أي محاولة لتحويل الخلافات المائية إلى أداة لتأجيج التوتر بين مصر والسودان لا تخدم أمن أي منهما، بل تضعف قدرتهما على التفاوض والتأثير في ترتيبات الحوض.
ومن الضروري هنا التمييز بين وجود منافسة إقليمية موثقة وبين الادعاء بوجود مؤامرة محددة، فالقوى الخارجية قد تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر مشروعات البنية التحتية أو التمويل أو الشراكات الأمنية أو العلاقات السياسية، وقد تستفيد بعض الأطراف من تباعد المواقف بين دول المنطقة، لكن إثبات أن دولة ما تعمدت إشعال خلاف بعينه يتطلب أدلة على الفعل والهدف والوسيلة، لا مجرد الاستنتاج من وجود مصلحة محتملة، والقراءة الاستراتيجية الرصينة لا تكتفي بالسؤال: من يستفيد من الخلاف؟ بل تسأل أيضا: ما الأدلة على التدخل؟ وما نقاط الضعف الداخلية التي جعلت الخلاف قابلا للتوسع؟ وكيف يمكن تقليل فرص تكراره؟
وفي هذا السياق، لا ينبغي إغفال أن التنافس على النفوذ في إفريقيا وحوض النيل والبحر الأحمر يتجاوز دولة واحدة أو محورين إقليميين، فالموقع الجغرافي للسودان، وامتداده على البحر الأحمر، واتصاله بمنطقة الساحل والقرن الإفريقي، وموارده الزراعية والحيوانية والمعدنية، تجعله محط اهتمام أطراف متعددة، كما أن أهمية مصر في قناة السويس وشرق المتوسط والبحر الأحمر وحوض النيل تجعل استقرار السودان جزءا من بيئة استراتيجية أوسع، ومن ثم، فإن أي اضطراب ممتد في السودان يفتح المجال أمام تحركات إقليمية ودولية متنافسة، وقد يجعل الأراضي السودانية ومؤسساتها ومواردها عرضة لصراعات نفوذ تتجاوز حدود الأزمة الداخلية.
وتظل الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 من أخطر التطورات التي أصابت البلدين والمنطقة، فالحرب لا تهدد حياة السودانيين ومؤسسات دولتهم فحسب، بل تضغط على الحدود، وتزيد الاحتياجات الإنسانية، وتؤثر في التجارة وحركة الأفراد، وتخلق بيئة مواتية لنمو اقتصاد الحرب وشبكات التهريب وتعدد مراكز القوة، كما أنها تفرض على مصر تحديات إنسانية وأمنية واقتصادية مباشرة، بالنظر إلى الجوار الجغرافي والروابط الأسرية والاجتماعية بين الشعبين.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح حماية وحدة السودان وسلامة أراضيه واستعادة مؤسساته الوطنية مصلحة استراتيجية لمصر، كما أنها مصلحة سودانية أصيلة، لكن دعم السودان لا ينبغي أن يُختزل في خطاب سياسي أو مقاربة أمنية فقط؛ بل يحتاج إلى تصور أوسع يشمل وقف القتال، وحماية المدنيين، وتيسير المساعدات، ودعم المسار السياسي السوداني، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتهيئة شروط إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، فالدولة التي تخرج من الحرب بموارد منهكة ومجتمع ممزق ومؤسسات ضعيفة ستظل عرضة لدورات جديدة من الصراع والتدخل.
وتكشف التجربة السودانية أيضا أن الانقسامات الداخلية قد تصبح مدخلا لتدخلات خارجية، لكنها لا تنشأ كلها بفعل الخارج، فالتنافس على السلطة والثروة، واختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وضعف المؤسسات المدنية، وتراكم النزاعات المحلية، كلها عوامل داخلية يمكن أن تستغلها أطراف خارجية، لكنها تظل جزءا من المسؤولية الوطنية التي لا يمكن تجاوزها، ولذلك فإن أي مشروع جاد لحماية العلاقة المصرية السودانية يجب أن يقوم على دعم استقرار السودان من خلال مؤسساته ومجتمعه، لا التعامل معه باعتباره مجرد امتداد للأمن المصري أو ساحة تنافس إقليمي.
وعلى المستوى الاقتصادي، تبدو المفارقة أكثر وضوحا، فبلدان يربطهما النيل والحدود والتاريخ والأسواق والاحتياجات المتكاملة لا يزالان دون مستوى الإمكانات المتاحة للتجارة والاستثمار والإنتاج المشترك، ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، بلغت قيمة التبادل التجاري بين مصر والسودان نحو 1.2 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بنحو 1.4 مليار دولار في عام 2023،وهذه الأرقام، على أهميتها، تظل أقل من الإمكانات التي يمكن أن يتيحها التكامل في الزراعة والصناعات الغذائية والثروة الحيوانية والدواء والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة.
والاقتصاد هنا ليس ملفا مكملا للعلاقة السياسية، بل أحد أهم ضمانات استدامتها، فكلما توسعت المصالح الإنتاجية والتجارية بين البلدين، زادت الكلفة الاقتصادية لأي قطيعة أو توتر، واتسعت قاعدة المستفيدين من التعاون، أما عندما تظل العلاقات محصورة في التفاهمات الحكومية أو الاتصالات السياسية، فإنها تصبح أكثر تأثرا بتغير القيادات والظروف الأمنية، ومن ثم، فإن المطلوب هو بناء مصالح متبادلة ملموسة: مشروعات زراعية مشتركة تقوم على حقوق واضحة، واستثمارات صناعية تخلق فرص عمل، وربط للنقل والتخزين والتوزيع، وتسهيل للإجراءات التجارية، وتعاون في التدريب والتعليم والصحة، مع ضمان احترام سيادة السودان وحقوق مواطنيه.
وقد عكست اجتماعات آلية التشاور السياسي بين البلدين في القاهرة في 23 فبراير 2025 اتجاها نحو تعزيز التنسيق في المحافل الدولية، وتوسيع التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، والاستعداد للمشاركة في إعادة إعمار السودان، كما تناولت اللقاءات الرسمية اللاحقة أهمية دعم مؤسسات الدولة السودانية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها، وتبقى القيمة الحقيقية لهذه المواقف مرتبطة بقدرتها على التحول إلى برامج تنفيذية مستدامة، تتجاوز لحظة التصريح إلى بناء شراكات طويلة الأجل.
أما على مستوى الوعي العام، فإن واحدة من أخطر صور إضعاف العلاقات المصرية السودانية تتمثل في تحويل الخلافات السياسية إلى أحكام جماعية على الشعب الآخر. فخطاب الكراهية المتبادل، والتعميمات التي تختزل المصريين أو السودانيين في موقف حكومة أو تصرف مسؤول، لا تحل أزمة ولا تحفظ حقا، بل تخلق بيئة اجتماعية تجعل أي تسوية سياسية أكثر صعوبة، ويجب أن يظل واضحا أن النقد السياسي حق، وأن الدفاع عن المصالح الوطنية مشروع، لكنهما لا يتطلبان الانتقاص من شعب شقيق أو إنكار خصوصيته الوطنية.
واحترام استقلال السودان لا يتعارض مع إدراك مصر لأهمية استقراره، كما أن تمسك السودان بقراره الوطني لا يستلزم القطيعة مع مصر، فالعلاقة المتوازنة لا تقوم على إنكار الاختلاف، وإنما على إدارته في إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وإذا كانت التجربة التاريخية قد أظهرت أن التدخلات الخارجية يمكن أن تستفيد من التباعد بين البلدين، فقد أظهرت أيضا أن الخلافات الداخلية وسوء إدارة الملفات الثنائية قد يفتحان الباب أمام ذلك التباعد دون حاجة إلى مؤامرة مكتملة الأركان.
ومن هنا، فإن مواجهة محاولات تفكيك الثقة لا تبدأ بالبحث الدائم عن عدو خفي، بل ببناء علاقة يصعب اختراقها: مؤسسات تنسق بانتظام، واتفاقات واضحة قابلة للتنفيذ، وآليات لحل النزاعات، ومصالح اقتصادية متبادلة، وتواصل مباشر بين المجتمعات، وتعاون علمي وثقافي وإعلامي يواجه المعلومات المضللة ويمنع تحويل الوقائع المجتزأة إلى حملات عداء، كما تتطلب التعامل مع ملفات الحدود والمياه والتجارة والأمن بمنهج واقعي، يعترف بوجود الخلافات ويبحث عن حلول عملية لها بدلا من تركها تتراكم حتى تتحول إلى أزمات سياسية.
مصر والسودان لا يحتاجان إلى استدعاء التاريخ لإثبات أنهما مرتبطان، فالجغرافيا والاقتصاد والنيل وحركة البشر تقدم أدلة يومية على ذلك، لكنهما يحتاجان إلى صياغة مستقبل لا يجعل هذا الارتباط عبئا على أي طرف، ولا يسمح بتوظيفه لتبرير الهيمنة أو الانتقاص من السيادة، ولا يترك المصالح المشتركة رهينة لتغير الأنظمة أو تصاعد الأزمات.
ووحدة المصير لا تعني وحدة القرار في كل قضية، ولا تعني أن يتنازل أحد البلدين عن حقوقه، بل تعني إدراك أن الأمن والتنمية والاستقرار في وادي النيل لا يمكن بناؤها على إضعاف أحد الطرفين، فمصر القوية تحتاج إلى سودان مستقر وقادر على حماية مؤسساته وحدوده وموارده، والسودان المستقر يحتاج إلى علاقات متوازنة مع مصر وسائر جواره، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والتعاون.
والتاريخ، بكل ما حمله من تقارب وصراع، يضع أمام البلدين درسا بالغ الأهمية: أن الروابط العميقة وحدها لا تمنع الخلاف، وأن النوايا الحسنة لا تكفي لحماية المصالح، وأن أخطر ما يمكن أن يصيب العلاقة ليس وجود اختلافات قابلة للحل، بل تحولها إلى قطيعة في الثقة تجعل كل طرف يرى في الآخر تهديدا، بينما تتسع المساحة أمام من يريدون توظيف التباعد لمصالحهم الخاصة.
ومعركة مصر والسودان الحقيقية ليست معركة إثبات من يملك حقا تاريخيا أكبر، ولا سباقا على النفوذ داخل دولة الآخر، بل معركة بناء علاقة حديثة تحترم استقلال الدولتين، وتحمي مصالح الشعبين، وتغلق الأبواب أمام التدخلات التي تستثمر في الهشاشة، وتحوّل النيل من رمز مشترك إلى أساس للتنمية والتعاون، فالتاريخ يمنح البلدين رصيدا، لكنه لا يضمن المستقبل؛ والمستقبل تصنعه مؤسسات قوية، وثقة متبادلة، ومصالح متشابكة، وإرادة سياسية تعرف أن حماية العلاقة لا تكون بتجاهل خلافاتها، وإنما بإدارتها قبل أن تصبح أدوات في أيدي الآخرين



