د. فرج بوخروبة يكتب.. فلسطين: بوصلة الأمة التي لا تزول

ليست عظمة الأمم بجيوشها التي تجول، ولا باقتصادها الذي يصول، بل بمدى أصالة قيمها، وشموخ مبادئها، وقدرتها على التمسك بقضاياها الكبرى. والأمة العربية اليوم، تقف على أعتاب مرحلة فارقة لا تُشبه ما سبقها، مرحلة لا يختبر فيها الوعي السياسي فحسب، بل تُختبر فيها الروح الجمعية، والأصالة التاريخية. إن ما يجري في فلسطين ليس مجرد فصل من فصول الصراع على الأرض، بل هو تجسيد لمعركة وجودية تُعيد تعريف معنى العروبة والإسلام، وتُحدد مستقبل الأمة بأكملها.
فلسطين: قصة تاريخ لا يُمسح
إن فلسطين ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي كتاب الأمة المفتوح الذي يُلخص تاريخها. هي أرض الأنبياء والرسالات، والملتقى المقدس الذي يربط بين السماء والأرض. في رحلة الإسراء والمعراج، لم يكن اختيار الأقصى مصادفة، بل كان تأكيدًا على قدسيته ومكانته في قلب الرسالة الإسلامية. وعندما فتحها الخليفة عمر بن الخطاب، لم يكن مجرد فتح عسكري، بل كان تحريرًا للمقدسات وإعادة للكرامة. وعندما أعادها صلاح الدين الأيوبي من قبضة الصليبيين، لم يكن انتصاره مجرد نصر، بل كان استعادة للوعي بأن بيت المقدس هو مقياس عزة الأمة.
هذا العمق التاريخي هو ما يجعل قضية فلسطين عصية على النسيان أو التنازل. إنها ليست قضية سياسية قابلة للتفاوض أو المساومة، بل هي ميراث جماعي لا يملكه حاكم أو نظام، بل يملكه كل فرد في هذه الأمة. إن من يُحاول التخلي عن فلسطين، يُحاول محو جزء من ذاكرتنا وروحنا. هو كمن يُريد أن يُهدم أساس بيتنا ليُبنى على رماده سُكنى واهية.
التطبيع: بوابة التآكل الروحي
لقد استغل الكيان الصهيوني الانقسام العربي كفرصة استراتيجية لتثبيت وجوده وتوسيع نفوذه. لم يكتفِ بالاحتلال العسكري، بل سعى إلى التغلغل الروحي والفكري عبر بوابة التطبيع. هذا التطبيع، الذي يُقدمه البعض كسبيل للسلام والاستقرار، هو في حقيقته عملية تخدير جماعية تهدف إلى نزع حساسية الأمة تجاه الظلم والاحتلال.
ففي الوقت الذي تُهدم فيه بيوت الفلسطينيين، وتُسرق أراضيهم، وتُسجن أطفالهم، تُبرم اتفاقيات اقتصادية وتُقام علاقات دبلوماسية. هذا التناقض الصارخ لا يُمكن أن يؤدي إلى سلام حقيقي، بل إلى خضوع مذلّ يُعطي للباطل شرعية، ويُحوّل الحق إلى مجرد وجهة نظر. إن التطبيع الذي نراه اليوم ليس نهاية الصراع، بل هو بداية لمرحلة جديدة من الهيمنة، تُحوّل الأنظمة العربية إلى حراس على “أمن إسرائيل”، وتُقلّص القضية الفلسطينية إلى مجرد مشكلة إنسانية، وليس قضية تحرر وطني. إن أخطر ما في التطبيع ليس التوقيع على ورقة، بل هو نزع القيمة من القضية، وتحويلها إلى مجرد ملف يُمكن غلقه.
المقاومة: شريان الحياة الذي لا ينضب
في خضم هذا التيه والتآكل، تظل المقاومة الفلسطينية هي شريان الحياة الذي يُغذي الوعي العربي. إنها ليست مجرد عمل عسكري، بل هي فكرة خالدة تُجسد إيمان الأمة بأن الحق لا يموت، وأن الأرض لها أصحاب، وأن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى. هذه المقاومة، التي تتجلى في صمود أهل غزة، وثبات أهل الضفة، ويقظة أهل القدس، هي القلب النابض الذي يُذكرنا بأننا أمة حية، قادرة على الرفض والمواجهة.
فبينما تُبرم الاتفاقيات في القاعات المغلقة، تُعلن الشعوب العربية موقفها في الميادين المفتوحة. من الرباط إلى بغداد، ومن صنعاء إلى القاهرة، تخرج الجماهير لتُجدّد عهدها بأن فلسطين باقية في القلب والوجدان. هذا الوعي الشعبي، الذي يرفض التطبيع ويرى في فلسطين قضيته المركزية، هو الصوت الحقيقي للأمة الذي يُخالف صوت الأنظمة. إنه يُثبت أن الإرادة لا تُكسر، وأن الذاكرة لا تُمحى، وأن الجيل الجديد، رغم كل محاولات التسطيح والتغريب، لا يزال يحمل فلسطين في قلبه.
قاسمنا المشترك: فلسطين
إن القاسم المشترك الذي يجمعنا ليس مجرد وحدة سياسية تُقاس بالحدود، بل هو قاسم وجودي ينبع من إيماننا بأننا أمة واحدة، تجمعها لغة، وتاريخ، وقبل كل شيء، فلسطين. هي الاختبار الذي يُقاس به صدق انتماؤنا، وعمق أصالتنا. إنها بوصلتنا التي لا تخطئ، والتي تُشير دائمًا إلى الحق والعدل، وتُذكرنا بأن طريق النصر لا يمرّ إلا من باب الأقصى.
لذلك، فإن التمسك بفلسطين ليس خيارًا، بل شرطًا للبقاء. هو مسؤولية تُلقى على عاتق كل عربي ومسلم. فإما أن ننهض ونتماسك حول هذه القضية، ونُعيد لها مكانتها، ونُدرك أنها مفتاح عزّتنا وكرامتنا، وإما أن نستسلم للواقع، فنُصبح مجرد أشباح لأمة كانت ذات يوم، ونفقد هويتنا ووجودنا.
إن الأمة التي صنعت الحضارة، وحرّرت الأقصى، وانتصرت على الغزاة، قادرة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على أن تُعيد رسم مصيرها. فليس في مقدور أي قوة أن تُمحو الأصل، ما دام هناك من يدافع عنه، ويُقدم من دمه فداءً له. فلسطين، في النهاية، هي ضمير الأمة، وبوصلتها، ومستقبلها.
العمل: الطريق نحو النصر
إن الطريق إلى النصر لا يُمهّد بالوعود، بل بالعمل الجاد والمُتواصل. والوحدة لا تُبنى على الشعارات الفارغة، بل على المواقف الصلبة. والتماسك الذي نحتاجه ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو وعي جمعي يُدرك أن قضية فلسطين هي قضية كل فرد منّا.
لذلك، يجب علينا أن نُعيد الاعتبار لمركزية فلسطين في ثقافتنا، وتعليمنا، وإعلامنا. أن نُقاطع كل من يُطبّع ويُسهّل التمدد الصهيوني. أن ندعم المقاومة بكل أشكالها، وأن نُساند الشعب الفلسطيني في صموده.
فليس هناك حل سحري، ولا نصر يأتي بالصدفة. النصر يُصنع بالإرادة، والتصميم، والإيمان بأننا أمة تستحق أن تكون حرة، وأن أرضها لا يُمكن أن تُهزم، وأن بوصلتها، فلسطين، ستظل تُشير إلى طريق العودة إلى الكرامة والعزة.



