رأي

د. فرج بوخروبة يكتب.. القلق المقدس كيف يعيش الكيان الإسرائيلي بين أسطورة التفوّق وفوبيا الزوال؟

منذ اللحظة الأولى لتشكّله، كان هذا الكيان يمثّل أكثر من مجرد دولة عادية؛ كان حلمًا ضخمًا، متضخمًا عن الواقع، ينسج خيوطه من سديم الأسطورة، وصياغات اللاهوت، وحسابات السياسة المعقدة. لم يكن المشروع مجرد “حل لمشكلة أوروبية” كما قُدّم، بل محاولة جريئة، بل وجسورة، لإعادة نحت ملامح التاريخ والجغرافيا والهوية. شخصيًا، أشعر عند الغوص في تفاصيل هذه التجربة، أنني أمام وهم يركض دائمًا للأمام، خيال لا يمكن إدراكه، يتجاوز منطق الحدود وحسابات الجدوى المادية.

كل بند، كل مبدأ في عقيدة هذا المشروع، يبدو وكأنه يستهدف إعادة برمجة الوعي الجماعي، ليزرع في الأذهان فكرة أن الوجود هنا ليس مجرد “كون” بل هو “رسالة” تاريخية مقدّسة.
في قلب هذا التكوين، نجد تنافرًا يكاد يكون وجوديًا: بين وعد ديني يضرب بجذوره في التاريخ القديم عن “أرض الميعاد”، وبين مشروع قومي حديث، ينشد بناء دولة قوية ذات تقنية عالية. إسرائيل لم تُخلق في سياق تطوّر اجتماعي طبيعي، بل هي أشبه بعملية استحضار قسري للذاكرة؛ حيث تُنتقى فصول من الماضي لتصبح قالبًا يُفرض على الحاضر، وكأن الزمن نفسه أصبح مادة قابلة لإعادة التشكيل والتعديل. إنه شعور عميق بأننا نشهد إعادة كتابة للتاريخ، ونحن جميعًا مجرد شهود على هذا “الخلق والضياع” المتلازم، مضطرين لقراءة ما بين السطور لنفهم كيف يمكن لفكرة واحدة أن تولّد واقعًا، أو على الأقل، وهمًا يتمتع بكل صلابة الحقيقة.
بين الاضطهاد والقوة: الوعي الدفاعي المتفوق
المواطن الإسرائيلي يعيش في حالة تأهب دائم، يرى نفسه محاصرًا بحزام من العداء، ولكنه في الوقت نفسه متأكد من قدرته على “العبور”. هذا المزيج الغريب بين صدمة الاضطهاد الأوروبي (التي تشكل الضحية) والقوة الإقليمية المتفوقة (التي تشكل المنتصر) يخلّق شعورًا مزدوجًا: تهديد مستمر، وإيمان داخلي راسخ بالتفوّق الحتمي. أتأمل هذه المعادلة وأشعر وكأنني أنظر في مرآة تكشف عقلًا جمعيًا يعيش بجلد الضحية ونخوة المنتصر في لحظة واحدة. هذا الوعي الذي يمزج القلق بالثقة، يجعل من الدولة كيانًا نفسيًا اجتماعيًا، حيث يتحوّل الخوف إلى أداة سياسية للبقاء، وتصبح القدرة على التفوق فلسفة حياة.
ولهذا، فإن “الأمن” يتجاوز كونه مجرد وظيفة للجيش؛ إنه المبدأ الذي يعرّف الدولة نفسها. كل شيء، من مناهج التعليم إلى النشر الإعلامي والتخطيط الاقتصادي، يخضع لمعيار الخطر الوجودي. المفارقة أن التفوّق العسكري الهائل لا يزيل الخوف، بل يغذّيه، خالقًا حلقة مفرغة من القلق؛ فكل انتصار يبدو أنه يوجب ظهور تحدٍّ جديد، وكأن الخطر يُخلق حتى في غياب التهديد الحقيقي. هذا يذكّرنا بكيفية اشتغال العقول الجمعية التي تبني نفسها على فكرة “الاستثناء”: كل إنجاز هو سؤال جديد، وكل قوة هي سبب جديد للقلق.
وحش الطموح الذي لا يشبع
هذا الكيان مبني على عقيدة الاستثناء المطلق؛ لذا يُعاد تبرير كل إخفاق أو خطأ على أنه نتيجة لسلوك خارجي. لم يكن الحلم مجرد طموح جغرافي، بل كان حضاريًا ورمزيًا يبحث عن استمرارية أخلاقية دائمة. هذه الاستراتيجية تجعل كل إنجاز في نهاية المطاف مجرد إنجاز مؤقت، وكل انتصار يزرع بذرة الحاجة لإثبات وجود آخر. هنا، تشعر أن الطموح نفسه قد تحوّل إلى وحش لا يشبع أبدًا. وهي ازدواجية مؤلمة: القوة تمنح الحياة، لكنها تمنع الاستقرار؛ والطموح يخلق العظمة، لكنه يزرع القلق الدائم.
الشخصية الإسرائيلية اليوم تعيش حالة تأرجح عمودي بين النجاح الاقتصادي والتكنولوجي الهائل، والقلق الوجودي العميق. التصدعات الداخلية، الدينية والعرقية والسياسية، والتنازع بين الديمقراطية والهوية اليهودية، تجعل المشروع في حالة توتر بنيوي دائم. أشعر هنا أن الدولة هي مرآة لا تكف عن التقاتل مع صورتها، غير قادرة على الوصول إلى برّ الاستقرار، على الرغم من عظمة مؤسساتها. كل جيل يُجبر على إعادة صياغة الإجابات للأسئلة الأزلية: “من نحن؟” و “لماذا نحن هنا؟” و “كيف نستمر؟”
الوهم كوقود للبقاء
الحلم الإسرائيلي، كما صِيغ في بداياته، لم يكن رؤية للتعايش المشترك، بل مشروعًا للسيطرة والتفرد. هنا، أصبحت القوة والتحكم وسيلة البقاء الوحيدة، لكنها في الوقت ذاته، تمنع الوصول إلى مرحلة “الاكتمال” أو الاطمئنان. الحلم الذي يضمن الوجود يتحوّل في ذات الوقت إلى عبء نفسي على الأفراد والمجتمع. كل فرد يعيش حياتين مزدوجتين: حياة يحقق فيها التفوق المادي والعلمي، وحياة أخرى يسكنها الخوف العميق من أن يكون هذا التفوق عرضيًا أو مهددًا.
الحلم أشبه بظل هارب من الضوء، يطارده العقل ولكنه يظل متقدّمًا عليه بخطوة. كل قفزة علمية أو توسّع جغرافي يُعيد إنتاج الحاجة لإثبات وجود جديد. ربما السرّ يكمن في أن هذا الوهم لم يُصنع أصلًا كي يتحقق، بل صُنع كي يستمر؛ كوقود لا ينضب للهوية، كحالة دائمة من التوتر والمراقبة.
وفي المحصلة، فإن هذا “الوهم الكبير” ليس مجرد طموح سياسي، بل هو حالة ذهنية دائمة يعيشها المجتمع الإسرائيلي، أشبه بـ “لحظة تأسيس أبدية”. هذا الوهم يمنح الإحساس بالتفرد والغاية العميقة، لكنه يحرم الكيان من التوقف أو الشعور بالراحة. إنه مأزق حضاري يطرح أسئلة حول العلاقة بين القوة والخوف، والذاكرة والواقع. يبقى هذا التوازن الهش بين القلق والتفوّق هو ما يمنح هذا المشروع فرادته الإنسانية المربكة.
وهكذا، يظل “الوهم الكبير” هو المحرّك الخفي للوعي الإسرائيلي، وهو مصدر قوته وضعفه في آن واحد. حلم يضمن البقاء، لكنه يمنع الاكتمال، ويترك الدولة حائرة في صراعها الدائم مع ذاتها.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى