رأي

د راندة فخر الدين تكتب.. جيل زد أبناء الثورة الرقمية وظلال 30 يونيو

مدخل: جيل لا يشبه من سبقه

جيل زد (Generation Z) هو المواليد ما بين منتصف التسعينيات وبداية العقد الأول من الألفية، جيل لم يترعرع في مقاعد المدارس التقليدية فقط، بل في قلب الشاشات الرقمية. هم أول جيل يعيش واقعًا لا ينفصل عن الفضاء الافتراضي، حيث التعليم والترفيه والسياسة كلها تجتمع في جهاز صغير في اليد. وفي مصر، زادت هذه التجربة خصوصية؛ لأن هذا الجيل نشأ وسط عاصفة من الأحداث الكبرى: ثورة 25 يناير، ثورة 30 يونيو، الأزمات الاقتصادية، وانفجار وسائل التواصل الاجتماعي.

السمات الرئيسية لجيل زد

  1. الرقمنة الكاملة: حياتهم اليومية مرتبطة بالفضاء الافتراضي؛ من التعليم إلى الترفيه والتفاعل السياسي.
  2. تجربة حسية رقمية: لا يثقون بالخطاب الحزبي أو الولاءات التقليدية، بل يبنون قناعاتهم عبر تجارب مباشرة على المنصات.
  3. ثقافة بصرية أكثر من نصية: الصورة والميم والفيديو القصير أكثر تأثيرًا من المقال أو البيان السياسي.
  4. التحليل والتفكيك: يعيدون صياغة الرسائل التي يتلقونها، ويربطون بين المعلن والمخفي، ويقيّمون الأفعال لا الأقوال.
  5. الانفتاح على التنوع: أكثر قبولًا للاختلافات الثقافية والجندرية، بحكم انفتاحهم على عالم معولم.
  6. القلق والوعي الاجتماعي: قضايا المناخ، العدالة الاجتماعية، والهوية الرقمية تحتل مكانة محورية في وعيهم.

لماذا لا يشبهون من سبقهم؟

الأجيال السابقة (X وY) كانت محكومة بسلطة الإعلام التقليدي: التلفاز، الصحافة، الخطاب المباشر. أما جيل زد، فقد نشأ في فضاء مفتوح حيث يملك كل فرد منصة للنشر والتأثير، مما قلّص سلطة النخب والمؤسسات.

  • لم تعد الولاءات الحزبية المرجعية، بل المصداقية الرقمية التي تُختبر لحظة بلحظة.
  • في السياسة، لا تكفيهم الخطب العاطفية، بل يريدون أفعالًا ملموسة قابلة للتحقق عبر الإنترنت.

بالأرقام والإحصاءات

  • يشكل جيل زد حوالي 30% من سكان العالم وأكثر من 20% من قوة العمل العالمية.
  • في الولايات المتحدة، أكثر من 60% منهم لا يعتمدون على التلفزيون كمصدر رئيسي للأخبار، بل على تيك توك ويوتيوب وإنستغرام.
  • أكثر من 70% يفضلون التعامل مع الشركات والكيانات التي تعلن مواقف اجتماعية واضحة مثل دعم البيئة أو العدالة العرقية.
  • سياسيًا، يصوت جيل زد بنسب أعلى للقضايا المتعلقة بالمناخ، الأقليات، والعدالة الاقتصادية.

جيل زد في مصر: أبناء الفضاء المفتوح

في مصر، جيل زد وُلد في قلب التحولات الكبرى. هو جيل لم يعرف مصر “قبل الإنترنت” إلا في طفولته المبكرة، ولم يتلق السياسة عبر التلفزيون الرسمي أو الصحف القومية، بل عبر فيسبوك وتويتر ويوتيوب.

في البداية سُمّوا “أبناء فيسبوك”، لكن سرعان ما انتقلوا إلى منصات أسرع وأكثر بصرية مثل إنستغرام وسناب شات وتيك توك، ما جعلهم جيل الفيديو القصير، والميم، والسخرية السياسية.

30 يونيو: لحظة فاصلة في الوعي

ثورة 30 يونيو 2013 شكّلت نقطة انعطاف كبرى لجيل زد المصري. كانوا في سن المراهقة أو بدايات الشباب، لكنهم كانوا مشاهدين نشطين عبر الشاشات الرقمية.

  • بالنسبة للبعض، كانت تجربة قوة جماهيرية، دليلًا على أن الشعب قادر على تغيير مسار البلد.
  • بالنسبة لآخرين، كانت درسًا في قسوة السياسة وتحولها السريع من شعارات الحرية إلى صراع السلطة.
  • لكن ما هو مؤكد أن 30 يونيو جعلهم يفهمون أن السياسة في مصر ليست خطابات وبرامج انتخابية، بل أحداث تُصنع في الشارع وتُعاد صياغتها على الإنترنت.

سمات جيل زد المصري بعد 30 يونيو

  1. تسييس مبكر: دخلوا عالم السياسة عبر الشاشات الرقمية لا عبر الأحزاب.
  2. شك في الخطاب الرسمي: لأنهم شاهدوا التناقض بين القول والفعل.
  3. ثقافة السخرية: الميمز والفيديوهات الساخرة صارت أدواتهم لفهم الواقع.
  4. أولوية المعيشة: الاقتصاد والبطالة والهجرة والتعليم قضاياهم الأساسية.
  5. اغتراب سياسي: يرون أن أدوات المشاركة التقليدية (أحزاب، نقابات) لم تعد تمثلهم.

بالأرقام في مصر

  • مصر من أعلى دول العالم في نسبة الشباب: نحو 60% من سكانها تحت سن 30 عامًا، وجيل زد يشكل الكتلة الأكبر.
  • أكثر من 70% من المصريين تحت سن 25 عامًا يستخدمون الإنترنت بانتظام، وتيك توك يحتل الصدارة بينهم.
  • الدراسات المحلية تشير إلى أن أولوياتهم اقتصادية ومعيشية، والسياسة تأتي في مرتبة تالية، لكنها تبقى حاضرة عبر السوشيال ميديا.

من الشغف إلى الشك

جيل زد المصري تعلّم مبكرًا أن السياسة ليست فقط حشودًا وأحلامًا، بل صفقات وصراعات قوة. شاهد كيف تتحول الشعارات إلى واقع مختلف، وكيف يمكن للحلم أن ينقلب إلى أعباء يومية من غلاء وبطالة وتراجع فرص. لذلك أصبح أكثر نقدًا، وأكثر حذرًا، وأشد لجوءًا إلى السخرية كدرع ضد الخطاب الرسمي.

جيل لا يبتلع الخطاب

هذا الجيل لا يمكن إقناعه بخطابات طويلة أو شعارات ضخمة.

  • إذا وعدت الدولة بمشروعات قومية، يسأل: أين أثرها في حياتي اليومية؟
  • إذا تحدّثت عن “الاستقرار”، يرد: وأين فرص العمل؟
  • إذا تغنّت بالإنجازات، سيُراجع أرقام التضخم على هاتفه.

جيل زد في مصر جيل صعب الإقناع، لأنه يملك أدواته الخاصة للتحقق، ولا يثق بالبلاغة المنمقة.

جيل يُعيد تعريف السياسة

لا يبحث جيل زد عن أيديولوجيا أو حزبية، بل عن حلول واقعية: وظيفة، تعليم جيد، حرية شخصية، وإنترنت سريع. بالنسبة له، السياسة ليست مؤتمرات وبيانات، بل أثر مباشر في حياته اليومية.

وبما أن معظمهم يتابع السياسة عبر المنصات الرقمية لا عبر الإعلام التقليدي، فإن المعركة الحقيقية اليوم لا تجري على شاشات الفضائيات، بل في 30 ثانية على تيك توك.

إلى أين يتجه جيل زد المصري؟

هذا الجيل يعيش تناقضًا بين طموحات شخصية عالمية يراها على إنستغرام ويوتيوب، وواقع محلي مثقل بالأزمات. هذه الهوة تدفع بعضهم إلى الهجرة، وبعضهم إلى الانسحاب من السياسة، وآخرين إلى التعبير الرقمي بطرق مبتكرة.

لكن الخطر أو الفرصة تكمن في أنهم لن يبقوا متفرجين للأبد. حين تمس الأزمة مستقبلهم مباشرة، قد يتحركون بأسلوب جديد: لا عبر الأحزاب القديمة، بل عبر قوة رقمية غير متوقعة.

استراتيجيات التعامل مع هذا الجيل في مصر

  1. خطاب صادق وملموس: يريدون إنجازات واقعية لا شعارات.
  2. لغة بصرية قصيرة: الفيديوهات القصيرة والمحتوى المرئي أكثر إقناعًا.
  3. المشاركة لا التلقين: يحتاجون مساحات حوارية حقيقية.
  4. تركيز على المعيشة: البطالة والتعليم والفرص هي البوابة الوحيدة لثقتهم.

جيل تحت الاختبار

جيل زد في مصر هو جيل 30 يونيو بامتياز، لكنه أيضًا جيل ما بعدها. جيل يُفكك الخطاب، يسخر من السلطة، ويرفض الأوهام. جيل يُعيد تعريف السياسة بعيدًا عن الشعارات، ليجعل المعيشة والتعليم والحرية الفردية مركز الاهتمام.

إنه جيل لا يمكن تجاهله. من يظنه منشغلًا بهاتفه، سيكتشف يومًا أنه هو من يكتب السطر القادم في تاريخ مصر.

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى