د. أحمد عبد العزيز بكير يكتب.. ترامب جاراً لإيران لـ٩٩عاماً قادمة

في تطور جيوسياسي مفاجئ، وقّعت أذربيجان وأرمينيا اتفاق سلام تاريخي برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم 9 أغسطس 2025، منهيةً بذلك 35 عاماً من الصراع الدموي بين البلدين. لكن ما يثير القلق الإيراني هو بند رئيسي في الاتفاق ينص على منح الولايات المتحدة حقوق تطوير وإدارة ما يُسمى الآن “مسار ترامب للسلام والازدهار الدوليين” لمدة 99 عاماً. هذا الممر، الذي كان يعرف سابقاً بممر زنجزور، يمتد بطول 40-43 كيلومتراً عبر الأراضي الأرمينية، ويربط أذربيجان بجيب نخجوان المنفصل جغرافياً عنها. من الناحية العملية، يجعل هذا الاتفاق أمريكا جارة مباشرة لإيران عبر حدودها الشمالية مع أرمينيا، وهو ما يهدد بتغيير جذري في موازين القوى الإقليمية ويهز أركان الأمن القومي الإيراني.
يعود الصراع بين أرمينيا وأذربيجان إلى حقبة تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، حيث نشبت حرب دامية بين الجمهوريتين السوفيتيتين السابقتين حول إقليم ناجورني قره باغ، وهو جيب أذربيجاني تسكنه أغلبية أرمنية. انتهت الحرب الأولى (1988-1994) بانتصار أرمينيا وسيطرتها على الإقليم وسبع مناطق أذربيجانية مجاورة، مما أدى إلى تهجير مئات الآلاف من الأذربيجانيين. لكن الموازين انقلبت في الحرب الثانية عام 2020، حيث استعادت أذربيجان بمساعدة تركية كبيرة معظم الأراضي المحتلة، قبل أن تستولي بالكامل على ناجورني قره باغ في هجوم خاطف استمر 24 ساعة فقط في سبتمبر 2023، مما أدى إلى تهجير أكثر من 100 ألف أرمني من الإقليم. وعلي الجانب الآخر، فإيران كجار للبلدين، كانت دائماً حريصة على توازن دقيق في تعاملها مع الصراع. فمن ناحية، تربطها علاقات ثقافية وتاريخية قوية بأذربيجان، خاصة أن هناك ما يقارب 20 مليون أذربيجاني يعيشون في إيران (أكثر من عدد سكان أذربيجان نفسها). ومن ناحية أخرى، كانت طهران حذرة من دعم أرمينيا بشكل علني حتى لا تثير غضب الأذربيجانيين الإيرانيين، الذين يشكلون قوة سياسية واجتماعية كبيرة داخل إيران.
طوال هذه العقود، ظلت قضية ممر زنجزور (أو ما يسمى الآن “مسار ترامب”) أحد الملفات الشائكة بين البلدين. هذا الممر البري الاستراتيجي يمر عبر منطقة زنجزور في أرمينيا، ويربط أذربيجان الرئيسية بجيب نخجوان المعزول، وهو إقليم تابع لأذربيجان إدارياً لكنه منفصل عنها جغرافياً، ويحدّه من الشرق أرمينيا ومن الغرب تركيا وإيران من الجنوب. لطالما سعت باكو إلى إنشاء هذا الممر لربط أراضيها، بينما كانت يريفان تمانع خشية فقدان سيادتها على أراضيها وتقويض وضعها التفاوضي. أما إيران، فقد عارضت المشروع تاريخياً لأنه يهدد اتصالها البري عبر أرمينيا إلى أوروبا، كما أنه يعزز النفوذ التركي-الأذربيجاني في المنطقة على حساب مصالحها.
وعن دوافع ترامب للتدخل في المصالحة بين الجانبين، والذي جاء في توقيت بالغ الأهمية، حيث يسعى إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي يبرر به ترشحه لجائزة نوبل للسلام، خاصة بعد فشله في ملفات أوكرانيا وغزة والملف النووي الإيراني والصراع الهندي-الباكستاني. كما أن المنطقة تمثل ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى، حيث تسعى واشنطن إلى تعزيز نفوذها على حساب روسيا والصين وإيران في القوقاز. ووفقاً لبنود الاتفاق، التزمت أرمينيا وأذربيجان بوقف نهائي للقتال وإقامة علاقات دبلوماسية وفتح مجالات السفر والتجارة، مع الاحترام المتبادل لسيادة كل منهما. لكن البند الأكثر إثارة هو إنشاء “منطقة عبور” تحت الإدارة الأمريكية “لمدة 99 عاماً”، مع رفع القيود عن التعاون العسكري الأمريكي مع أذربيجان.
من الناحية القانونية، يؤكد الاتفاق على سيادة أرمينيا على الممر، لكنه يمنح أمريكا حقوق تطوير حصرية وإدارية للمشروع، بما في ذلك الإعفاء من الرقابة الجمركية والأمنية الأرمينية وفق بعض التحليلات الإيرانية.
هذا النموذج يشبه تاريخياً “ممر برلين الحربي” الذي ربط برلين الغربية بألمانيا الغربية أثناء الحرب الباردة، أو “ممر سوالكي” الحالي في بولندا الذي يربط ليتوانيا بحلف الناتو. كما أن تسمية الممر باسم ترامب تمنحه رمزية سياسية وتاريخية، وتحوله إلى إرث دائم للرئيس الأمريكي في المنطقة.
ومن حيث التداعيات الجيوسياسية على إيران، ترى طهران في هذا الاتفاق تهديداً وجودياً لأمنها القومي، حيث يحول دون اتصالها البري المباشر بأوروبا عبر أرمينيا، وهو ما أشار إليه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بقوله: “قلقنا الوحيد هو أن شركة أميركية تريد إنشاء هذا الممر”. كما أن وجود قوات أو شركات أمريكية على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الإيرانية الشمالية يضع طهران وجهاً لوجه مع قوة عظمى لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، مما يزيد من حدة التوتر ويحد من حرية حركة إيران الإستراتيجية.
وعلي الصعيد التركي، يعزز الممر التحالف التركي-الأذربيجاني، حيث سيمكن أنقرة من الوصول المباشر إلى آسيا الوسطى عبر أذربيجان ونخجوان دون المرور بالأراضي الإيرانية، مما يقوض أحد أوراق الضغط المهمة لطهران. كما أن افتتاح هذا الطريق سيعيد تشكيل خريطة طرق الطاقة والنقل في المنطقة، متجاوزاً إيران ومستبعداً إياها من معادلة جيو-اقتصادية كانت تحتكرها تاريخياً حيث أن الممر سيتحول إلى شريان حيوي يربط تركيا بآسيا الوسطى دون المرور عبر إيران، مما “يكمل حلقة الضغط الجيوسياسي شمال إيران” بالتزامن مع مشاريع موازية في الشرق الأوسط.
ورغم ترحيبها بالاتفاق والصُلح التاريخي بين الجانبين، تري إيران أن الخطر الأكبر هو تحول الممر إلى قاعدة متقدمة للنفوذ الغربي، حيث أن الحضور الأمريكي قد يفتح الباب أمام انتشار لقوات أو معدات عسكرية تابعة لحلف الناتو قرب الحدود الإيرانية، كما حذر علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي بقوله: “إيران ستمنع إنشاء الممر الأميركي في القوقاز، سواء بالتعاون مع روسيا أو من دونها”. هذا الموقف يعكس خشية إيرانية من أن يصبح الممر “تهديداً لأمن المنطقة ويغير خريطتها الجيوسياسية”.
فيما تلعب تركيا دوراً محورياً في هذه المعادلة كحليف استراتيجي لأذربيجان وعدو تقليدي لأرمينيا. فقد دعمت أنقرة بقوة المطالب الأذربيجانية بممر زنجزور، ورأت في الاتفاق الجديد فرصة لتعزيز نفوذها في القوقاز عبر بوابة التحالف مع واشنطن. ومن جهة أخرى، حافظت أرمينيا على سيادتها الرسمية على الممر مقابل منح الامتيازات الأمريكية، وهو ما يراه تراه القيادة الإيرانية “ورقة رابحة للجانب الإيراني”، لأن البديل كان يمكن أن يكون سيطرة أذربيجانية كاملة على الممر. لكن هذا التفاؤل لا يخفي حقيقة أن طهران فقدت أحد أهم أدوات الضغط على باكو وأنقرة، كما أن وجوداً أمريكياً طويل الأمد في المنطقة سيعيد تشكيل التحالفات الإقليمية بطرق لا يمكن التنبؤ بها تماماً.
وتحسُساً من إيران بالمخاطر التي تحيط بها إقليمياً، فقد بدأت بالفعل بإجراء مناورات عسكرية علي حدودها الشمالية الغربية للتدريب على “إحباط أي تغييرات جيوسياسية في تلك المنطقة، إلا أن المواجهة العسكرية تبدو غير محتملة لأنها ستضع إيران في مواجهة أمريكية-تركية مباشرة، فبدلاً من ذلك قد تلجأ طهران لاعتماد وسائل بديلة مثل:
تعزيز التحالف مع كلاً من روسيا والصين لمواجهة النفوذ الأمريكي بالقوقاز
استخدام الورقة الكردية ضد تركيا في سوريا والعراق كرد فعل غير مباشر.
و تسريع مشاريع بنية تحتية بديلة تربط إيران بآسيا الوسطى عبر طرق أخرى.
ختاماً: يمثل اتفاق أذربيجان وأرمينيا برعاية ترامب زلزالاً جيو-سياسياً سيهز المنطقة لسنوات قادمة. فبالإضافة إلى إنهاء أحد أطول الصراعات في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي، فإنه يفتح باباً خطيراً أمام التنافس الدولي في القوقاز، ومع ما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار المنطقة، فإن وجود جار أمريكي لمدة قرن كامل على حدود إيران الشمالية هو كابوس أمني أصبح حقيقة واقعة، وسيضطر صناع القرار في طهران إلى إعادة حساب جميع استراتيجياتهم الإقليمية في ظل هذه المعطيات الجديدة. كما أن نجاح ترامب في هذه الوساطة قد يشجعه على تدخلات مماثلة في ملفات أخرى بالشرق الأوسط، مما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي الهش أصلاً في المنطقة، إحساساً منه بمهارته في التجارة وعقد الصفقات.



