
دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الازهر
زميل كلية الدفاع الوطني، الاكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
صوّت مجلس النواب الأمريكي، يوم الأربعاء 15 يونيو 2026 برفض تعديلٍ كان من شأنه إنهاء التمويل العسكري الأجنبي السنوي البالغ قيمته 3.3 مليار دولار والمُخصَّص لإسرائيل، وذلك بشكلٍ فوري. غير أن ما يقارب نصف أعضاء الكتلة الديمقراطية – أي أغلبية النواب الديمقراطيين الذين أدلوا بأصواتهم – أيدوا هذا الإجراء. ورغم فشل الاقتراح بسبب معارضة الحزب الجمهوري والنصف الآخر من الديمقراطيين، فإن حجم التأييد الملحوظ داخل الصفوف الديمقراطية يكشف عن عمق الانشقاق في موقف الحزب من العلاقة مع إسرائيل.
ويرى المحللون السياسيون الإسرائيليون وعلى رأسهم: أفيشاي بن ساسون-غوردس אבישי בן ששון-גורדיס أن هذا التصويت لم يقتصر على إظهار الخلاف على قاعة التصويت، بل تجلّى أيضاً في الانتخابات التمهيدية للحزب، حيث بات التموضع المؤيد لإسرائيل قضيةً خلافية، غالباً ما تُصب في مصلحة منتقدي السياسات الإسرائيلية. وفي حال تمكن الحزب الديمقراطي من استعادة الأغلبية في مجلس النواب، كما تشير التوقعات في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، فمن المرجح أن يسعى إلى إحداث تغييرات جذرية في هيكل العلاقات مع إسرائيل، وهو ما قد ينعكس مباشرةً على مذكرة التفاهم الأمنية الموقعة بين البلدين، والتي تظل سارية المفعول حتى عام 2028.
وقد نشرت آني كارني Annie Karni مراسلة النيويورك تايمز في الكونجرس تقريرا عن تلك الأزمة، وبينت أنه قد أخفق الإجراء الذي كان يسعى إلى قطع كامل المساعدات العسكرية والإنسانية البالغة قيمتها 3.3 مليار دولار والمخصصة لإسرائيل من مشروع قانون الاعتمادات المالية للشؤون الخارجية، بتصويت 104 لصالحه مقابل 314 ضده، مع امتناع 10 نواب عن التصويت، في حين صوّت جميع أعضاء الحزب الجمهوري بـ “لا” باستثناء النائب توماس ماسي من كنتاكي، وهو أحد واضعي الاقتراح، الذي صوّت بـ “نعم”.

لكن عدد الديمقراطيين المؤيدين للإجراء تجاوز عدد المعارضين له، بمن فيهم العديد ممن صرحوا بأنهم صوّتوا لصالحه رغم تحفظاتهم على شق قطع المساعدات الإنسانية. مثل هذا التصويت هو أحدث وأوضح دليل على الانشقاق العميق داخل الحزب الديمقراطي بشأن دعم إسرائيل، في وقت يواجه فيه الحزب موجة من العداء في صفوفه تجاه إسرائيل وآلية إدارتها للحرب في غزة.
وقد أكد المؤيدون أن هذا الإجراء مثّل السبيل الوحيد المتاح لهم للتعبير عن معارضتهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان، وعن تطلعهم إلى إعادة توجيه جوهري للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
فشل الاقتراح، الذي قدمه النائب الجمهوري توماس ماسي، المنتمي للجناح اليميني للحزب، كما كان متوقعاً، حيث صوّت جميع الجمهوريين ضده باستثناء ماسي. في المقابل، صوّتت شخصيات ديمقراطية بارزة، من بينهم رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، ومسؤول الانضباط الديمقراطي، بالإضافة إلى نواب معروفين بمواقفهم المؤيدة لإسرائيل، لصالح الاقتراح. في المقابل، عارض قادة آخرون في الحزب، بمن فيهم زعيم الأقلية حكيم جيفريز، وقف الميزانية، لكنهم امتنعوا عن حشد التأييد ضد الإجراء. ويعود ذلك جزئياً إلى إدراكهم أن مثل هذه الخطوة محكوم عليها بالفشل، وأنها ستزيد من حدة الخلافات الحزبية القائمة حول العلاقة مع إسرائيل.
ويمثل تصويت 103 من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين لصالح قطع المساعدات عن إسرائيل – وهو ما يشكل أغلبية ممن أدلوا بأصواتهم بين “نعم” و”لا” – لحظة فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، تتجاوز دلالاتها مجرد إجراء تشريعي فشل في النهاية.
وقد كتب النائب غريغ كاسار، الديمقراطي عن ولاية تكساس ورئيس التجمع التقدمي في الكونغرس، في رسالة إلى أعضاء كتلته، حث فيها جميع الأعضاء البالغ عددهم 98 على أن يحذوا حذوه في تأييد الاقتراح، قائلا: “بقدر ما كنت أتمنى أن نتمكن من التصويت على تعديل يستهدف المساعدات العسكرية فحسب، وأن ندعم البرامج الإنسانية بطبيعة الحال، فإن هذا الخيار غير متاح أمامنا”، وأضاف: “الشعب الأمريكي يصرخ مطالباً بوضع حد لاستخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في دعم الجيش الإسرائيلي”.
ولم يقتصر الانقسام على الصفوف الديمقراطية العادية، بل امتد إلى القيادة ذاتها. ففي حين صوّت النائبان جيفريز من نيويورك (زعيم الأقلية) وبيت أغيلار من كاليفورنيا (ثالث أكبر مسؤول ديمقراطي) ضد الإجراء، صوّتت النائبة كاثرين كلارك من ماساتشوستس (منسقة الأغلبية) لصالحه.
وقد أوضحت كلارك موقفها بالقول إنها أيدت الإجراء “ليس لأنني أوافق على مجمل التعديل، ولا على الدوافع المغرضة للحزب الجمهوري من وراء طرحه، بل لأنني أرى أن تغيير المسار قد بات ضرورياً”.
وفي بيان صدر قبل التصويت بوقت وجيز، وصفت النائبة نانسي بيلوسي، الديمقراطية عن كاليفورنيا والرئيسة السابقة لمجلس النواب، التعديل بأنه “خيار غير موفق”، إلا أنها أعلنت تأييدها له “للرسالة التي يبعث بها”.
وبحسب الحصيلة النهائية، صوّت 103 ديمقراطياً لقطع المساعدات، في مقابل 97 عارضوا ذلك، مع امتناع 10 آخرين عن التصويت، أي ما يزيد عن نصف أعضاء الكتلة الديمقراطية الذين لم يستعدوا لرفض إجراء من شأنه إنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل.
وفي الأسابيع التي سبقت التصويت، كافح الديمقراطيون لإيجاد موقف موحد إزاء الاقتراح الذي تقدم به النائب ماسي، المعروف بمعارضته للتدخل الخارجي، والذي اعتبروه بمثابة تكتيك يهدف إلى وضعهم في مأزق سياسي. وفي خطوة غير اعتيادية، عقد النائب جيفريز، المناصر القوي لإسرائيل، اجتماعين للكتلة النيابية لبحث التعديل، مما أبرز حجم المأزق السياسي الذي باتت تشكله قضية إسرائيل بالنسبة للديمقراطيين.
وفي رسالة أصدرها جيفريز – وللمرة الأولى – دعا فيها إلى “إعادة ضبط كبرى” في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. كما ألمح إلى أن الديمقراطيين، في حال استعادوا الأغلبية في الكونغرس، سيشترطون في أي مساعدات أمنية لإسرائيل ضرورة الامتناع عن انتهاكات حقوق الإنسان بحق الفلسطينيين.
ومع ذلك، وفي سياق معارضته للإجراء، اعترف جيفريز – الذي من المقرر أن يُنتخب رئيساً لمجلس النواب في العام المقبل إذا ما فاز الديمقراطيون – بوجود “أسباب حسنة النية ستقود الأعضاء إلى التصويت بطرائق متباينة”.
غير أن عشرات الديمقراطيين تغلبوا على تحفظاتهم وأيدوا الإجراء. فالنائب خواكين كاسترو، الديمقراطي عن تكساس، صرح من على منصة المجلس قائلاً: “الدفاع عن الشرعية لا يشمل القصف العشوائي للمنازل”، منتقداً بذلك استجابة حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما تغير موقف النائب سيث مولتون، الديمقراطي عن ماساتشوستس، والذي كان من أبرز المدافعين السابقين عن إسرائيل، والذي أعلن تأييده لقطع جميع المساعدات، مؤكداً أنه “لا يسعنا ببساطة أن نواصل التغاضي عن أفعال نتنياهو، التي تتعارض مع ضميرنا الأخلاقي ومصالحنا الأمنية القومية، من خلال إدامة الوضع الراهن”. ومن الجدير بالذكر أن مولتون، المرشح لمجلس الشيوخ، أعلن أيضاً أنه لن يقبل تبرعات من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، تلك المجموعة المؤيدة لإسرائيل التي أصبحت مؤخراً علامة سياسية سامة بين الديمقراطيين.
على الجانب الآخر، لم يعلن سوى عدد قليل من الأصوات الديمقراطية معارضتها للإجراء من على منصة المجلس يوم الأربعاء. النائب براد شيرمان، الديمقراطي عن كاليفورنيا، رأى أن الغرض الوحيد من مشروع القانون هو “خلق شرخ في وسط الحزب الديمقراطي، ووضع حزبنا في صف أولئك الذين ينكرون حق إسرائيل في الوجود”. أما النائب ستيني هوير، الديمقراطي عن ماريلاند والحليف القديم للجنة إيباك، فقد حث زملاءه على “التصويت بـ ‘لا'”، معتبراً أن التصويت لصالح الإجراء هو “تصويت ضد الأمن القومي الأمريكي والسلامة العامة”.

وقدذكر التقرير أن توقيت التصويت قد شكل عائقاً إضافياً أمام بعض الديمقراطيين، إذ جاء متزامناً مع استئناف الولايات المتحدة وإيران لحربهما، التي دخلها الرئيس ترامب بناءً على إلحاح إسرائيلي، وذلك بعد أسابيع من خسارة ثلاثة نواب ديمقراطيين حاليين في الانتخابات التمهيدية أمام منافسين من التيار اليساري الراديكالي جعلوا من مواقفهم الداعمة لإسرائيل نقطة هجوم رئيسية.
وعلق جيريمي بن عامي، رئيس منظمة “جيه ستريت” (مجموعة الضغط اليسارية الوسطية)، قائلاً: “الديناميكيات المتغيرة لا تخفى على أعضاء الكونجرس. إن الإبحار في هذه اللحظة ومحاولة إيجاد أرضية صلبة يشعر فيها المرء بالارتياح هو تحدٍ بحد ذاته”.
لقد تحول دعم الدولة العبرية بسرعة إلى عبء سياسي ثقيل مع الناخبين الشباب والميلين لليسار، الذين يشكلون دوائر انتخابية جوهرية داخل الحزب. غير أن مؤشرات تشير إلى أن العداء تجاوز هذه الفئات. فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة نيويورك تايمز وكلية سيينا في مايو/أيار الماضي أن 74% من الناخبين الديمقراطيين يعارضون تقديم دعم اقتصادي وعسكري إضافي لإسرائيل، مع أغلبية ساحقة في جميع الفئات العمرية.
وقبل التصويت أعلنت منظمة “جيه ستريت” معارضتها للإجراء، لكنها أوضحت أن أعضاء الكونغرس يمكنهم، بضمير حي، التصويت بـ “نعم” أو “لا” أو “امتناع”، باعتباره “واحدة من الفرص النادرة للإدلاء بصوت مسجل يعبر عن معارضة الكيفية التي استُخدمت بها المساعدات العسكرية والأسلحة الأمريكية الموردة من قبل الحكومة الإسرائيلية”.
وقد اعتبر بن عامي أن نتيجة التصويت تعكس التحول الجذري الذي حدث بالفعل، وربما يكون أسرع تحول في الرأي العام حول قضية سياسية منذ تقنين زواج المثليين، مختتماً بالقول: “لقد ولّى زمن اعتبار ‘إسرائيل، مهما كان الخطأ والصواب’ تياراً رئيسياً في السياسة الأمريكية؛ نحن اليوم نصوغ الوضع الطبيعي الجديد”.
وقبيل التصويت، قال النائب ماسي، الذي خسر مؤخراً في الانتخابات التمهيدية أمام منافس مدعوم من ترامب جعل معارضته لتقديم المساعدات لإسرائيل محوراً لهجومه، إن تعديله ليس سوى تطبيق للمنطق السليم، مضيفاً من على منصة المجلس: “نحن نرسل أموالاً إلى إسرائيل في هذا المشروع تفوق ما ننفقه على المشردين من قدامى المحاربين في هذا البلد. يجب أن نوقف ذلك، ونضعهم في نظام تقييدي، فهم أكبر متلقي إعانات في الولايات المتحدة”.
لكن بعض الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل أعربوا عن قلقهم البالغ إزاء هذا التحول في حزبهم، الذي سمح لأعضائه بالتحالف مع ماسي في هذا الموقف. النائب جوش غوتهايمر، الديمقراطي عن نيوجيرسي والداعم الثابت لإسرائيل، قال في مقابلة: “دعم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أصبح بسرعة رأي الأقلية بين الديمقراطيين في الكونجرس، وهو تحول مزلزل في فترة زمنية قصيرة. كما صرح لدينا اشتراكيون يترشحون على منصة معادية لأمريكا: ‘نعم’ لحماس و ‘لا’ لدعم أحد أقرب حلفائنا الديمقراطيين”.
ويمكن تحليل التداعيات على المستويات التالية:
أولاً: انهيار التوافق الحزبي:
لطالما كانت المساعدات الأمريكية لإسرائيل تمثل إحدى الركائز التي حظيت بإجماع حزبي نادر في واشنطن. ففي عام 2016، صوّت مجلس النواب بأغلبية 405 مقابل 4 لصالح مذكرة التفاهم التي تقدم 3.3 مليار دولار سنوياً لإسرائيل. أما اليوم، فإن تجاوز عدد المؤيدين لقطع المساعدات من الديمقراطيين لعدد المعارضين يكشف عن تحول جذري في بنية الدعم الحزبي.
هذا التحول ليس طارئاً، بل يعكس تراكمات بدأت منذ عقد من الزمان، وتحديداً مع توجه سياسات حكومة نتنياهو نحو اليمين المتطرف، مما أوجد فجوة قيمية بين إسرائيل والقاعدة التقدمية للحزب الديمقراطي. وقد بلغت هذه الفجوة ذروتها مع الحرب على غزة التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر 2023، حيث رأى قطاع واسع من الديمقراطيين أن إسرائيل ارتكبت “جرائم إنسانية” دفعتهم إلى التخلي عن دعمها غير المشروط.
ثانياً: تحول الرأي العام كركيزة للتغيير
لا يمكن فهم موقف الديمقراطيين بمعزل عن التحولات العميقة في قاعدة الحزب الانتخابية. فقد أظهرت استطلاعات الرأي المتعاقبة اتجاها تصاعديا في رفض الدعم الأمريكي لإسرائيل: مثل استطلاع أكتوبر 2023: 28% من الديمقراطيين يعتبرون أمريكا داعمة لإسرائيل بشكل مفرط، وفي أوائل 2024: ارتفعت النسبة إلى 41%، وفي منتصف 2026: قفزت إلى 66% وفي استطلاع واشنطن بوست (يوليو 2026): 75% من الديمقراطيين يطالبون بتقليص أو إنهاء الدعم العسكري لإسرائيل
هذه الأرقام تعكس تحولاً في الرأي العام ربما يكون الأسرع في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية منذ تقنين زواج المثليين، على حد تعبير جيريمي بن عامي، رئيس منظمة “جيه ستريت”. وقد أدرك السياسيون الديمقراطيون أن التمسك بالدعم غير المشروط لإسرائيل بات يشكل عبئاً انتخابياً، خاصة مع تنامي نفوذ الناخبين الشباب والميالين لليسار داخل الحزب.
ثالثاً: انعكاسات على مستقبل العلاقات الثنائية الامريكية الإسرائيلية:
أ. على المدى القريب:
رغم فشل التعديل، فإن الرسالة التي بعث بها التصويت واضحة: أن الدعم التلقائي لإسرائيل في الكونغرس لم يعد مضمونا. وقد أقر بذلك زعيم الأقلية الديمقراطية جيفريز، الداعم القوي التقليدي لإسرائيل، عندما دعا للمرة الأولى إلى “إعادة ضبط كبرى” في العلاقات، مشيراً إلى أن أي مساعدات مستقبلية قد تُربط بشرط الامتناع عن انتهاكات حقوق الإنسان. كما أن انقسام القيادة الديمقراطية نفسها – حيث عارض جيفريز التعديل بينما أيدته منسقة الأغلبية كاثرين كلارك – يعكس عمق الشرخ في الموقف الحزبي.
ب. على المدى المتوسط:
يتجه الديمقراطيون، في حال إذا ما استعادوا الأغلبية في الكونجرس أو البيت الأبيض، إلى فرض قيود مشروطة على المساعدات العسكرية لإسرائيل، بدلاً من “الشيك المفتوح” الذي ساد لعقود. وقد صرّح نائب سابق في البيت الأبيض، رام إيمانويل، بأن سياسة الدعم “بدون شروط ودون عواقب” كانت خطأ أمريكيا، وأن إسرائيل أمامها خياران: إما الاعتراف بالحقوق الفلسطينية أو مواجهة العزلة.
ج. على المدى البعيد:
يشير المحللون إلى أن التحول الحالي في المشاعر العامة تجاه إسرائيل هو اتجاه طويل الأمد، وليس مجرد رد فعل لحرب معينة، ففي كلا الحزبين، بدأ اعتبار إسرائيل “عبئاً استراتيجياً” أو “أصلاً سلبياً” بدلاً من حليف لا يمكن الاستغناء عنه. وقد تجلى ذلك في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي حذر إسرائيل من اعتبار الولايات المتحدة “حليفاً يمكن استنزافه بلا حدود”.
غير أن معظم المحللين يستبعدون حدوث قطيعة كاملة أو “طلاق” بين البلدين، نظراً للاعتماد الاستراتيجي المتبادل، لا سيما في ظل الانسحاب الأمريكي التدريجي من الشرق الأوسط، حيث تظل إسرائيل ركيزة أساسية للنفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة. لكن العلاقة ستنتقل حتماً من “التميز الاستثنائي” إلى “الطبيعية والشرطية”، حيث يُنظر إلى إسرائيل كحليف كأي حليف آخر، وليس كدولة تتمتع بحصانة دبلوماسية وسياسية.

رابعاً: تداعيات على النظام السياسي الأمريكي
يمثل تآكل نفوذ اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية (AIPAC) وجهاً آخر للتحول. فقد كانت هذه المنظمة تُعتبر “صانعة الملوك” في واشنطن، حيث كان بإمكانها صنع أو تحطيم مسار أي مرشح سياسي. أما اليوم، فإن التصويت العلني ضد مصالح إسرائيل، والإعلان عن رفض تبرعات AIPAC، لم يعد يشكل انتحاراً سياسياً، بل أصبح في كثير من الدوائر الانتخابية ميزة انتخابية.
ويبدو أن العداء لـ AIPAC تجاوز التيار التقدمي ليشمل قطاعات من الحزبين. ففي الجمهوري، يرى “تيار أمريكا أولاً” أن المجموعة تمثل “مصالح أجنبية” تتدخل في السياسة الداخلية، بينما في الديمقراطي، باتت الإشارة إلى AIPAC كـ “سم” أو “وحش” في الخطاب السياسي أمراً شائعاً.
موقف الخبراء الإسرائليين من التصويت:
صدر عن مراكز الفكر الإسرائيلية عدد من التقارير لتحليل هذا التغير وانعكاساته على العلاقات مع إسرائيل، ففي تقرير “ثيودور ساسون” Theodore Sassonوالذي جاء بعنوان: Danger Zone: Collapsing Support for Israel Among Democrats منطقة الخطر: تراجع الدعم لإسرائيل بين الديمقراطيين، ذكر عددًا من التداعيات منها:
1- أن التصويت مؤشر لتراجع التدين في الولايات المتحدة الامريكية:
فطالما ارتبطت المواقف في الولايات المتحدة، المؤيدة لإسرائيل وترابط المشاعر الدينية، استنادًا إلى التفسيرات التوراتية للشعب اليهودي بأرض إسرائيل ونبوءات عودتهم. وعلى مدى العقود الأخيرة، ازداد تأييد المسيحيين الإنجيليين لإسرائيل، وزاد ميلهم للانتماء إلى الحزب الجمهوري. ومع ذلك انخفضت نسبة الأمريكيين الذين يُعرّفون أنفسهم كمسيحيين ، من 78% عام 2007 إلى 62% عام 2024. خلال الفترة نفسها، ارتفعت نسبة غير المنتسبين لأي دين – أو ما يُعرفون بـ”غير المتدينين” – من 16% إلى 29%، وأصبحوا أيضًا أكثر تعاطفًا مع القضية الفلسطينية. يصف معهد غالوب هذه الديناميكية بأنها ” ضربة مزدوجة ” لدعم إسرائيل، تتمثل في زيادة حجم فئة يزداد ميلها للتعاطف مع الفلسطينيين. بمرور الوقت، ساهمت هذه الديناميكيات أيضًا في تسريع الانقسام الحزبي، حيث يميل الأمريكيون غير المنتسبين لأي دين إلى الانتماء للحزب الديمقراطي.
2- الاستقطاب الأيديولوجي:
فقد ضمت الأحزاب الرئيسية فصائل محافظة وليبرالية على مدار معظم القرن العشرين إلا أنه خلال فترة حكم كلينتون، ازداد تجمع الليبراليين داخل الحزب الديمقراطي، بينما ازداد تجمع المحافظين داخل الحزب الجمهوري. ومنذ إدارة أوباما، اشتد الاستقطاب الأيديولوجي، حيث أصبح الديمقراطيون أكثر ليبرالية، والجمهوريون أكثر محافظة . وتتجلى الفجوات الحزبية المتزايدة في معظم القضايا، بما في ذلك، على سبيل المثال، الهجرة، والإجهاض، والاحتباس الحراري، والسيطرة على الأسلحة .
ويرى ثيودور ساسون أن تسارع الاستقطاب الأيديولوجي بفعل العملية السياسية التي تُصفّي المرشحين للمناصب الوطنية عبر انتخابات تمهيدية حزبية شديدة التنافس. كما تسارع هذا الاستقطاب نتيجةً لتزايد استياء الناخبين من القيادة السياسية للمعسكر المعارض. وبرز في هذا السياق استياء ناخبي الحزب الجمهوري من باراك أوباما وجو بايدن، واستياء ناخبي الحزب الديمقراطي من دونالد ترامب. لطالما كان دعم إسرائيل استثناءً لهذه الديناميكيات الحزبية، فهو من القضايا القليلة المتبقية التي تحظى بتوافق الحزبين، لا سيما بين النخب الحزبية. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن اليهود الأمريكيين – الذين يمثلون الشريحة الأكثر تأييدًا لإسرائيل في المجتمع الأمريكي – يشكلون أيضًا كتلة تصويتية رئيسية.
3- الفجوات بين الأجيال
بينت التقارير أن هذا التصويت أظهر تباينا بين الاجيال الأمريكية في عدم إسرائيل فبينما حافظت المشاعر المؤيدة لإسرائيل على ثباتها بين كبار السن، فقد تراجعت بين البالغين في منتصف العمر، وانخفضت بشكل حاد بين الشباب. فعلى سبيل المثال، أفاد مركز بيو للأبحاث أن 76% من الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر لديهم رأي إيجابي تجاه الشعب الإسرائيلي، مقارنةً بـ 46% فقط من الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا. (وفي الفئة العمرية الأصغر، بلغت نسبة من لديهم آراء إيجابية تجاه الشعب الفلسطيني 60%). وكان تراجع الدعم لإسرائيل أشد وطأةً بين الديمقراطيين الشباب، كما أن الشباب الأمريكيين عمومًا أكثر ميلًا للتصويت للديمقراطيين. ويساهم كلا العاملين في اتساع الفجوة الحزبية.
وقد انتهى ثيودور ساسون غلى انه لا يمكن التقليل من خطورة تراجع الدعم الأمريكي، لا سيما أنه يعكس اتجاهات طويلة الأمد ومتجذرة. وبين أن إسرائيل تحتاج إلى دعم القوة العظمى العالمية في المستقبل المنظور، وبالتأكيد بعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 والفترة الرئاسية المقبلة. وخلال تلك الفترة، من المرجح أن يستعيد الحزب الديمقراطي سيطرته على مجلس النواب، وقد يفوز بمجلس الشيوخ والرئاسة. إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن شبه المؤكد أن يضم الكونغرس المزيد من منتقدي التحالف الأمريكي الإسرائيلي، والمزيد من الأعضاء الذين لا يعتبرونه أولوية بالنسبة لهم. سيدفع الرئيس الديمقراطي المقبل ثمناً سياسياً باهظاً لدعمه الاحتياجات الدبلوماسية والأمنية لإسرائيل. علاوة على ذلك، كلما قلّت نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل كحليف قيّم، ازداد الوضع سوءاً بالنسبة للحياة اليهودية الأمريكية.
• ومن ثم انتهى تقريره إلى عدد من التوصسيات منها:
لا يمكن استعادة الدعم المتضائل بزيارة أخرى لرئيس الوزراء نتنياهو إلى البيت الأبيض أو الكونغرس. (في الواقع، سُجّلت أدنى مستويات الدعم التي حققتها مؤسسة غالوب خلال زيارة نتنياهو الأخيرة وبعدها مباشرة). يجب على الحكومة الإسرائيلية تبني استراتيجية أوسع نطاقًا لزيادة احتمالية استمرار التحالف الأمريكي الإسرائيلي. ينبغي أن تتضمن هذه الاستراتيجية العناصر الخمسة التالية:
1- لقد طال انتظار مبادرة وطنية كبرى في مجال الدبلوماسية العامة. وتشير التقارير إلى أنه تم تخصيص ميزانية قدرها 150 مليون دولار لهذا الغرض، وهو ما يمثل زيادة قدرها 20 ضعفاً عن مستويات التمويل المعتادة.
2- إلى جانب الدبلوماسية العامة، يجب على إسرائيل أن تُدرك ضرورة الحفاظ على دعم الشعب الأمريكي من خلال إجراءات سياسية. يحتاج الديمقراطيون إلى الاقتناع بأن إسرائيل تتبنى الدبلوماسية إلى جانب القوة العسكرية، وتسعى إلى حل تفاوضي في صراعها مع الفلسطينيين، وأنها لا تزال دولة ديمقراطية ذات مؤسسات قوية وقضاء مستقل.
3- ينبغي لإسرائيل أن تسعى إلى إبرام اتفاقيات أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة تستفيد من الدعم السياسي للإدارة الجمهورية وتلزم الحكومات المستقبلية بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي.
4- ينبغي لإسرائيل أن تسعى إلى توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام لتشمل المملكة العربية السعودية وربما لبنان، وإلى وضع ترتيبات أمنية إقليمية تلبي احتياجاتها الفورية وتوفر المرونة للمستقبل.
5- ينبغي على الجامعات الإسرائيلية، والمؤسسات الفنية والثقافية، ومنظمات المجتمع المدني، البحث عن سبل لتعزيز تعاونها مع نظيراتها الأمريكية. فإسرائيل كأي دولة تتجاوز بكثير مجرد حكومتها، وسيكون تعزيز الروابط مع المجتمع المدني أمراً بالغ الأهمية لاستعادة مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة.
وفي تقرير آخر لـ أفيشاي بن ساسون-جورديس אבישי בן ששון-גורדיס والذي جاء بعنوان: אבישי בן ששון-גורדיסDeepening the Divide: Majority among U.S. House Democrats Supports Halting Military Aid to Israel تعميق الانقسام: أغلبية الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي يؤيدون وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، ذكر عددا من نتائج التصويت ومدى التراجع الحاد في مكانة إسرائيل بين الديمقراطيين. وأنه يحمل في طياته تداعيات بالغة الأهمية بالنسبة لإسرائيل، هي:
1. مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل – إذا ما تشكلت أغلبية ديمقراطية في الكونغرس، كما هو متوقع، عقب انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، فمن المرجح أن تواجه إسرائيل ضغوطًا مكثفة من المشرعين لتغيير إطار العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. وسيكون هدفهم الأول تعديل المساعدات المالية السنوية التي تستخدمها إسرائيل في مشترياتها (بشكل أساسي) من الصناعات الدفاعية الأمريكية. وتتفاوض إسرائيل والولايات المتحدة حاليًا على مذكرة تفاهم أمنية جديدة لتحل محل الاتفاقية الموقعة عام 2018. ووفقًا للتقارير، تتضمن هذه المذكرة تخفيضًا تدريجيًا لمكون المساعدات المباشرة. ولم يعد السؤال الآن هو ما إذا كانت هذه المساعدات ستنخفض، بل إلى أي مدى ستكون سرعة هذا الانخفاض. علاوة على ذلك، من المرجح أن تخضع البرامج التي تتضمن التعاون بين الصناعات الدفاعية في البلدين لمزيد من التدقيق، في حين ستزداد الضغوط لتفعيل التشريعات القائمة التي تنظم استخدام الأسلحة الأمريكية لفرض قيود على مشتريات إسرائيل العسكرية أيضًا.
2. ضعف نموذج مذكرة التفاهم فمذكرة التفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة تُوقّع بين حكومتي البلدين، ولا تُسنّ كقانون في أيٍّ منهما. ونتيجةً لذلك، يُشترط على الإدارة الأمريكية الحصول على موافقة الكونغرس سنويًا على المساعدات المخصصة لإسرائيل. في الماضي، حظيت إسرائيل بدعم واسع من الحزبين في الولايات المتحدة، ولذلك لم يُمثّل تخصيص هذه الأموال أيّ صعوبة تُذكر. إلا أن تصويت الأمس يُبيّن أن الاتفاقية القادمة ليست وحدها المُعرّضة للخطر، بل إنّ تنفيذ الاتفاقية الحالية في السنوات المتبقية قد يواجه عقبات أيضًا. فإذا نجح الكونغرس في منع الأموال التي تمّ التعهد بها بالفعل، ستُضطر إسرائيل (والإدارة الأمريكية معها) إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة لالتزامات الشراء التي تمّ التعهد بها مُسبقًا في إطار هذه الميزانية.
3. مركزية القضية الفلسطينية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بالنسبة لأغلبية متزايدة من مؤيدي الحزب الديمقراطي، تُعتبر إسرائيل دولة قمعية تتعارض سياساتها مع قيمهم ومصالح الولايات المتحدة. ويكمن جوهر هذا التصور في سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين. ويؤثر هذا التوجه أيضاً على نظرة الرأي العام لجماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، إيباك، التي باتت رمزاً للقوى السلبية العاملة في السياسة الأمريكية. إن تغييراً في سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية من شأنه أن يُسهّل على مؤيدي إسرائيل في الحزب – والذين لا يزال عددهم كبيراً، بمن فيهم أولئك الذين شعروا بأنهم مضطرون لدعم مقترح الأمس – تبرير دعمهم للتحالف بين البلدين. مع ذلك، ومع مرور الوقت، ستزداد المطالب الدنيا المفروضة على إسرائيل في هذا الصدد، وسيتضاءل تأثير الوعود العامة في عكس هذا التوجه.
4. في سياق أوسع، توجد تحديات أيضًا داخل الحزب الجمهوري – قد توحي نتائج التصويت بأن مكانة إسرائيل داخل الحزب الجمهوري راسخة، إذ لم يؤيد إنهاء المساعدات سوى عضو واحد منشق عن الحزب، ومع ذلك في أوساط أخرى، يتجلى نوع مختلف من تراجع مكانة إسرائيل، لا علاقة له بسياساتها في الملف الفلسطيني. فقد أصدر نائب الرئيس فانس، الذي يجد نفسه حاليًا في موقف دفاعي وسط جمود الجهود التي يُنسب إليه الفضل فيها لحل النزاع مع إيران، سلسلة من التصريحات اللاذعة بشأن إسرائيل. في مقابلة مع بودكاست جو روغان الشهير الذي بُثّ أمس، وافق فانس على الادعاء بأن جيفري إبستين – المدان بالاعتداء الجنسي والذي لا يزال محط اهتمام مكثف ومستمر من اليمين الأمريكي – كانت له صلات بالموساد وبأعلى مستويات المخابرات الإسرائيلية. وأن إسرائيل تشن حملة دبلوماسية عامة ضده بسبب دعمه للاتفاق مع إيران، وأنها تسعى إلى حرب دائمة. يأتي هذا في ظل تقارير تفيد بأن إسرائيل استعانت بمستشار سابق لحملة ترامب الانتخابية لتعزيز مكانتها بين المحافظين الشباب. ويُعتبر فانس على نطاق واسع أحد أبرز المرشحين لرئاسة الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب. ورغم أنه ليس الصوت الأكثر تطرفاً في الحزب فيما يتعلق بإسرائيل، إلا أن تصريحاته توضح أن مكانة إسرائيل، حتى داخل الحزب الجمهوري المستقبلي، ليست مضمونة على الإطلاق.
ومن خلال ما سبق يتبين أن تصويت الديمقراطيين مثل قلقًا كبيرًا للخبراء السياسيين في إسرائيل، وأنه يحمل تداعيات في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، ومدى تغير موقف الشعب الأمريكي من دعم إسرائيل، وتراجع الموقف الديني الذي كانت تستفيد منه إسرائيل بل وتتخذه سببا دينيًا ومبررًا لتواجدها، وإذا ما نزع عنها هذا الرداء أمام المجتمع الدولي وليس عند الأمريكيين فحسب لخسرت إسرائيل دعمها المتستر خلف الموقف الديني، ولظهرت حقيقة زيف ادعائاتها بالشعب المختار وأرض الميعاد، وأرض صهيون والدينونة والتفاسير الكتابية لنهاية العالم، والذي يعد قبلة الحياة لدولة إسرائيل التي لو فقدتها لانهارت إسرائيل ولتوقفت هجرة الشباب المتطوعين والمناصرين لتلك المزاعم، ولتوقف الدعم المادي الذي تتلقاه إسرائيل من الجمعيات والمنظمات الأجنبية.



