دراساتطبية

الوصمة الصامتة..  المرض النفسي في المجتمع الشرقي بين الإنكار والعنف

إعداد/ د. راندة فخر الدين
لا يزال المرض النفسي في المجتمعات الشرقية، وخصوصًا في مصر، محاطًا بسياج من الوصمة والإنكار. وبينما أصبح الحديث عن أمراض مثل السكري وضغط الدم أمرًا عاديًا لا يثير حرجًا، يظل المريض النفسي أسير نظرات الشك والتمييز، وكأن اضطرابه يمسّ جوهر إنسانيته أو إيمانه.
المرض النفسي ليس ضعف إيمان
من أبرز المفاهيم المغلوطة المنتشرة أن الاضطرابات النفسية دليل على ضعف العقيدة أو البعد عن الله. والحقيقة أن الطب الحديث يوضح أن المرض النفسي لا علاقة له بقوة الإيمان أو ضعفه؛ فهو قد يصيب أي إنسان، متدينًا كان أو غير ذلك.
فالاكتئاب، القلق، الوسواس القهري، أو حتى الفصام، كلها اضطرابات ترتبط بعوامل بيولوجية ووراثية وبيئية معقدة، لا يمكن اختزالها في مقولة: “قوِّ إيمانك تتحسن”.
الإيمان والروحانية بلا شك يمثلان دعمًا مهمًا للإنسان في مواجهة الشدائد، لكنهما لا يغنيان عن التشخيص الطبي والعلاج النفسي المتخصص. تمامًا كما لا يمكن علاج مرض عضوي مثل السرطان أو الفشل الكلوي فقط عبر الدعاء دون دواء، لا يجوز أن نطلب من مريض نفسي أن يكتفي بالتقرب إلى الله ونهمل حاجته للعلاج السريري.
التشخيص علمي وليس انطباعًا
الاضطرابات النفسية لا تُشخَّص بمشاعر عامة أو نصائح عابرة، بل عبر مقابلات سريرية وفحوصات دقيقة، قد تشمل تقييمات نفسية، تحاليل طبية، ورسم مخ أو غيره من الفحوص التي تكشف الأسباب البيولوجية أو العصبية أو حتى الهرمونية وراء الأعراض.
وفي كثير من الحالات، يكون السبب مرتبطًا بخلل في كيمياء الدماغ أو بصدمات حياتية متراكمة، وهو ما يتطلب تدخلًا متخصصًا.
العلاج ليس دواءً فقط
خطأ شائع آخر هو الاعتقاد أن العلاج النفسي يعني بالضرورة أدوية مهدئة أو منومات. في الواقع، العلاج قد يأخذ أشكالًا متعددة، منها:
•العلاج النفسي بالكلام (العلاج السلوكي المعرفي، العلاج الجدلي، العلاج الأسري).
•العلاج السلوكي والتأهيل المجتمعي، لمساعدة المريض على استعادة قدرته على العمل والاندماج.
•العلاج الدوائي، ويُستخدم فقط عند الحاجة وتحت إشراف طبيب مختص.
•العلاج عبر أنماط الحياة: كتنظيم النوم، ممارسة الرياضة، الاهتمام بالغذاء الصحي، والتقليل من الضغوط.
بمعنى آخر، ليس كل مريض نفسي بحاجة إلى دواء، لكن كل مريض بحاجة إلى تقييم علمي يحدد الشكل الأمثل للعلاج.
خطورة الإنكار والوصمة
عندما يُختزل المرض النفسي في كونه ضعفًا في الإيمان أو “مزاجًا عابرًا”، يُحرم المريض من فرصة التعافي. كثيرون يلجأون إلى العزلة أو يتركون وظائفهم أو يدخلون في صراعات أسرية بدلًا من أن يطلبوا المساعدة. ومع الوقت، تتحول الأعراض إلى سلوكيات اندفاعية، وقد تنفجر في صورة عنف أسري أو جرائم أو حتى انتحار.
نحو خطاب صحي جديد
المطلوب اليوم هو ثورة فكرية في الخطاب الاجتماعي والديني والإعلامي تجاه المرض النفسي. يجب أن يُقدَّم المريض النفسي على أنه إنسان يحتاج إلى رعاية طبية ودعم إنساني، لا إلى لوم أو إدانة. كما يجب أن يتكامل دور الأطباء النفسيين مع الأسرة، ورجال الدين، والمدارس، والإعلام، لتفكيك الوصمة وتشجيع الناس على طلب المساعدة دون خوف.
ختاما فإن المرض النفسي حقيقة طبية، ولا ينقص من إيمان المريض ولا من إنسانيته. والعلاج ليس في نصائح عابرة أو تقربًا شكليًا إلى الله، بل عملية علمية متكاملة قد تشمل جلسات علاج نفسي، تعديلات حياتية، أو أدوية إذا لزم الأمر. مواجهة هذه الوصمة الصامتة في مصر والمجتمعات الشرقية ضرورة لإنقاذ الأرواح، والحد من العنف، وبناء مجتمع أكثر صحة وتماسكًا.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى