رأي

الهلال الروسي في الساحل الإفريقي.. شراكة عسكرية لمكافحة الإرهاب أم مدخل لتحولات جيواستراتيجية كبرى؟

رامي زُهدي خبير الشؤون الإفريقية

يتواصل التحرك الروسي بخطى واثقة نحو تموضع عسكري مؤسسي داخل منطقة الساحل الإفريقي، بعد أن أعلنت وزارة الدفاع الروسية رسميًا توقيع مذكرة تفاهم شاملة مع كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، والتوافق على إنشاء صيغة حوار رباعية لتكون بمنزلة «الآلية الرئيسية» لتنسيق خطط إعداد وتنفيذ التعاون الدفاعي خلال المرحلة المقبلة.

هذا التحول يمثل انتقالًا من ظاهرة التدخل العسكري عبر الشركات الخاصة؛ مثل «فاجنر» إلى إطار دولتي منظم أكثر وضوحًا، وأكثر قدرة على الاستدامة، وأكثر قابلية لإنتاج نتائج استراتيجية تتجاوز مجرد الدعم العسكري الفني أو العملياتي.

اقرأ أيضا: رامي زهدي يكتب.. «مدرسة الحياة في إفريقيا.. التعليم الابتدائي بين قسوة الواقع وإشراقة المستقبل»

تُعد منطقة الساحل الإفريقي واحدة من أكثر البقاع في العالم عرضة لتمدد الجماعات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة وداعش، حيث يصل معدل العمليات الإرهابية المنفذة سنويًا إلى أكثر من 2500 عملية مسلحة، وحيث تُسجل النيجر ومالي وبوركينا فاسو ما يفوق 60 % من ضحايا الإرهاب في إفريقيا.

الهلال الروسي في الساحل الإفريقي

وفي ظل الانسحاب التدريجي للقوات الفرنسية والأوروبية من المنطقة (قوة برخان وتاكوبا)، بدأت دول الساحل في البحث عن شريك بديل قادر على سد الفراغ الأمني، لتجد في موسكو طرفًا قادرًا على توفير أنظمة تسليح متطورة، خصوصًا في مجالات المسيرات الاستطلاعية والمقاتلة، وأنظمة الرادار، ووسائط الحرب الإلكترونية، وتدريبًا متخصصًا للقوات على عمليات مكافحة التمرد في الطبيعة الصحراوية، إضافة إلى خطوط إمداد عسكرية قصيرة الأجل وذات تكلفة أقل مقارنة بالشركاء الغربيين.

بيد أن نجاح التعاون في مكافحة الإرهاب سيظل مشروطًا بقدرة الأنظمة الحاكمة في هذه الدول على إجراء إصلاحات تنموية متوازية، وتوفير خدمات أساسية للمواطنين في المناطق الطرفية (الصحة التعليم الغذاء البنية التحتية)، لأن الإرهاب في الساحل ليس مجرد سلاح، بل حالة مجتمعية تغذيها الفقر والفجوات التنموية.

الجديد في المذكرة الموقعة، ليس في كونها اتفاقًا دفاعيًا تقليديًا، بل في تعرضها لنقطتين جوهريتين؛ هما إنشاء “منصة حوار رباعية” تُمأسس العمل الأمني الروسي الساحلي، وتجعل من التعاون آلية مستمرة لا ترتبط بتغير الحكومات، أو اللحظة الانقلابية التي صعدت خلالها الأنظمة العسكرية الحالية.

وكذلك، صياغة “خطط تعاون”، وليست مجرد “توريد سلاح”، أو “إرسال خبراء” كما كان يحدث في السابق، ما يعني أن موسكو تخطط لنقل جزء من ثقلها العسكري الرسمي إلى قلب القارة، ويقع الساحل في القلب من ذلك المخطط.

ويُرجّح المراقبون أن يتم في مراحل لاحقة نشر وحدات روسية ثابتة لأغراض التدريب والتشغيل اللوجيستي، وتوقيع اتفاقيات لإنشاء قواعد مشتركة صغيرة أو مراكز عملياتية للقيادة والسيطرة، وهو ما من شأنه أن يجعل الساحل جبهة متقدمة للنفوذ الروسي في مواجهة الضغوط الغربية بأوكرانيا وشرق أوروبا.

وليست هذه الخطوة منفصلة عن الحضور الروسي المتعاظم في إفريقيا الوسطى، والسودان، وتشاد، وليبيا. بل تأتي لإكمال “هلال نفوذ جيوسياسي”؛ يبدأ من البحر الأحمر شرقًا وينتهي بالأطلسي غربًا.

وتسعى موسكو من خلاله إلى امتلاك أوراق تفاوض قوية أمام واشنطن وباريس في ساحات صراع أخرى، وتأمين مسارات بديلة للموارد الطبيعية (ذهب – يورانيوم – معادن استراتيجية)، ثم إلى توظيف إفريقيا كساحة لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، يقل فيه النفوذ الغربي التقليدي.

غير أن ذلك قد يُعرّض الساحل لاستقطاب دولي مقلق، خصوصًا إذا قررت أوروبا أو الولايات المتحدة العودة للنفاذ إلى المنطقة عبر تحالفات جديدة، ما يجعل التعاون الروسي سلاحًا ذا حدين، فهو حائط صدٍ أمام الإرهاب من جهة، لكن محفزًا لصراعات بالوكالة من جهة أخرى.

ما تشهده منطقة الساحل مع روسيا اليوم ليس مجرد تعاون أمني عابر، بل تحول نوعي نحو شراكة عسكرية مؤسسية قد تعيد تشكيل ميزان القوى في القارة الإفريقية.

وعليه؛ فإن قدرة هذه الشراكة على تحقيق نتائج في مكافحة الإرهاب، ستتوقف على سرعة تحولها من مجرد “تبادل أدوات الردع” إلى “بناء وظائف الدولة”، وعلى مدى استعداد موسكو لمعالجة الجذور التنموية للنزاعات، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها الأمنية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى