صبرى الديب يكتب.. قصتي مع المعجزة السورية التي عادت من الموت وقتلت مئات الدواعش

أعترف أن صديقي الكردي تعمّد إثارة فضولي الصحفي، عندما همس في أذني خلال زيارتنا لمنظمة ستار النسوية في مدينة “السليمانية” شمال العراق، قائلًا: “أتدري من التي تجلس بجوارك؟”. قلت: “من؟”. قال: “إنها المقاتلة السورية الكردية الشهيرة الفتريا خباط”. قلت متعجبًا: “هذه الفتاة الصغيرة هي من قتلت مئات الدواعش، وعادت من الموت إلى الحياة، واحتلت بطولاتها صدارة الصحف العالمية؟”. قال: “نعم، هي، ولكنها ترفض منذ سنوات الحديث إلى أي من وسائل الإعلام”.
وما هي إلا دقائق حتى دخلت علينا إحدى عضوات منظمة ستار، وهي تحمل صينية كنافة بالقشطة ساخنة، يعلوها الفستق الأخضر بكثافة، وقد ملأت رائحتها العذبة أرجاء المكان، وبدأت في تقطيعها إلى أجزاء صغيرة ووضعها في أطباق، بينما تولت “الفتريا” عملية التوزيع على الضيوف، ثم عادت وجلست بجواري.
وما إن انتهيت من تناول قطعة الكنافة، حتى التفت إليها مبتسمًا، وأشرت إلى بقية صينية الكنافة قائلًا: “ممكن أعرف مصير نصف صينية الكنافة دي إيه؟”. فضحكت قائلة: “سوف أحضر لك قطعة أخرى”. قلت: “لا، أنا أريد الصينية كاملة”. فضحكت بشدة، فقلت: “هناك أسئلة كثيرة تحوي اتهامات وتحتاج إلى إجابة منك”. قالت مبتسمة: “اتهامات لي؟”. قلت: “نعم، وأستأذنك أن نعتزل الجمع لدقائق لأستمع إلى إجاباتك”. فقالت: “بكل سرور، تفضل”.
وبالفعل، جلسنا إلى منضدة كبيرة في آخر القاعة، وبدأت حواري معها بود شديد، وسط استغراب صديقي الكردي، الذي أشرت إليه، بعد استئذانها، لالتقاط بعض الصور.
ورغم حديثنا الطويل، الذي تطرق إلى قسوة المعارك التي خاضتها في تحرير منطقة شمال سوريا، ونجاحها في قتل مئات الدواعش، وتعرضها للأسر عشرات المرات، والإصابات الخطيرة التي لحقت بها، وإصرار الإدارة الأمريكية على علاجها اعترافًا بالبطولات التي حققتها، فإن التفاصيل المرعبة لمعركة سد الفرات، التي قتلت خلالها القيادي الداعشي “أبو براء الشيشاني”، ثم عودتها من الموت إلى الحياة، كانت الأكثر إثارة في حواري مع البطلة الكردية المعجزة.
تقول الفتريا: “لا أزال أتذكر تفاصيل تلك المعركة جيدًا، حيث تسللت قوة تضم أكثر من 200 داعشي، صباح يوم 15 فبراير عام 2016، لإبادتنا والسيطرة على المنطقة، حيث استمرت الاشتباكات بشراسة من السادسة صباحا حتى الساعة التاسعة مساءً، نجحنا خلالها في قتل 165 داعشيًا، امتلئت الأرض بجثثهم، مما دعانا إلى البدء على الفور في نقلهم جثه تلو الآخر، وأبقينا على جثة واحدة ضخمة للغاية كانت لقيادي داعشي معروف يُدعى “أبو براء الشيشاني” حتى النهاية، دون أن ندري أنه كان مصابًا ويتظاهر بالموت، وأن بحوزته سلاح كلاشنكوف يخفيه بين ملابسه.
وبعد نقل كل الجثث، بدأ الرفاق في الانصراف والخلود إلى الراحة، وبقيت أنا ورفيقان فقط لإخلاء جثة “أبو براء”، غير أنه بمجرد أن اقتربنا منه، أطلق علينا النار بكثافة، فأصابني بسبع طلقات أخرجت كامل أحشائي من بطني، وسقطت على الأرض، في حين أُصيب رفيقاي بإصابات مباشرة في القلب أدت إلى استشهادهما في الحال.
ورغم شدة الإصابة، فإن رغبتي في الانتقام من أبي براء لم تنتهِ، خاصة أنه كان على بُعد خطوات، ولا يستطيع النهوض من شدة الإصابة، فحاولت الزحف لأتناول سلاحي، إلا أنني تنبهت إلى أن أحشائي وأمعائي تزحف معي، فقمت بإدخالها وربطها بشال، وأكملت الزحف، غير أن أبا براء أطلق عليّ، في تلك اللحظات، طلقتين في ظهري.
ورغم ذلك تحاملت على نفسي، وظللت أزحف حتى تناولت سلاحي، وبدأت في تصويبه تجاهه، غير أنه كان قد بدأ في الزحف تجاهي أيضًا، إلى أن أصبح سلاحي عند رأسه، وسلاحه في منتصف قدمي اليسرى، فأطلق كل منا النار على الآخر، فأسقطته قتيلًا، وأصابني بإصابات بالغة في قدمي.
وحاولت التماسك لثوانٍ رغم شدة الألم، وأمسكت بجهاز اللاسلكي وأخبرت رفاقي بإصابتي ومكاني، ثم غبت عن الوعي، إلى أن أفقت فجأة وأدركت أنني داخل المستشفى، وأن رفاقي يبكون ويقومون بتغسيلي وتكفيني بزي عسكري، ويضعونني في ثلاجة الموتى، ظنًا منهم أنني قد استشهدت، في الوقت الذي كنت أشعر فيه بكل ما يدور حولي، غير أنني لا أستطيع حتى الإشارة.
وما هي إلا دقائق حتى حضرت أسرتي ورفيقاي، وتم إخراجنا جميعًا من الثلاجة، وإبلاغ المسؤولين بتجهيزنا لمراسم الجنازة في الثالثة بعد ظهر الغد. وهنا زادت إرادتي، وحاولت الحديث، إلا أنه أُعيد إدخالنا إلى الثلاجة سريعًا، وهنا فقدت الأمل في العودة إلى الحياة.
وظللت على هذا الحال نحو ثلاث ساعات كاملة، إلى أن حضر رفيقنا “فيصل أبو ليلى” لوداعي، وأخذ يبكي بشدة فور سحبي من الثلاجة، قائلًا: “انهضي، ستعودين”. وبالفعل، حفزت كلماته عزيمتي على نطق أي كلمة تنبههم إلى أنني ما زلت على قيد الحياة، إلا أنه من شدة بكاء أبي ليلى، قاموا بإبعاده، وإدخالي الثلاجة مرة أخرى، وهنا أدركت أنه لا أمل في عودتي على الإطلاق.
إلا أن أبا ليلى اندفع مرة أخرى، وقام بسحبي وضمني وهو يبكي، وأخذ يضرب على وجهي قائلًا: “أفيقي، أفيقي”. وهنا استجمعت كامل قواي وقلت في أذنه بصوت ضعيف: “أنا لست شهيدة، أنا حية”. فتركني وهو يصرخ: “هل سمعتم أنها حية؟ لقد قالت: أنا حية”. فضج المكان بالبكاء، ظنًا منهم أن أبا ليلى يهذي، إلا أنني استجمعت قواي مرة أخرى ونطقت: “أنا لست شهيدة، أنا حية”.
وهنا صرخ الجميع، وقاموا بنقلي سريعًا إلى غرفة العمليات، حيث وضعني الأطباء لعدة ساعات تحت التدفئة، ثم أخضعوني لعدة جراحات استمرت أكثر من 24 ساعة، ونجح الفريق الطبي، بقيادة الدكتور “علي والي”، في استخراج كم هائل من الرصاص من بطني وقدمي وعمودي الفقري، ووضعوني في العناية المركزة بين الموت والحياة.
غير أنه بعد 24 ساعة، وجدت نفسي قادرة على الحركة، فقمت ونهضت إلى خارج غرفة العناية، حيث تصادف مرور الدكتور “علي والي”، الذي بمجرد أن رآني سقط مغشيًا عليه، وتجمع الأطباء لإفاقته.
وبمجرد أن استرد وعيه، نهض وسأل: “أين الفتريا؟”. وجاء إليّ مبتسمًا، وقال أمام الجميع: “منذ أمس وأنا أرى منك معجزات لم أرها منذ عملت بالطب قبل أكثر من 30 عامًا. فبكل المقاييس، من المفترض أنك قد استشهدتِ، بحكم الكم الكبير من الطلقات التي أصابت جسدك.
وبمقاييس الطب، من المفترض أيضًا أنك متِّ مرة أخرى، بحكم وجودك في الثلاجة كل هذه الساعات الطويلة، ثم انتهت حياتك مرة ثالثة بحكم العدد الكبير من الجراحات والنزيف المتواصل الذي تعرضتِ له داخل غرفة العمليات على مدار أكثر من 24 ساعة، غير أنني لا أمتلك تفسيرًا لحالتك سوى أن العلي القدير هو من يحفظك”.
وأنهيت حواري مع المعجزة السورية الصغيرة، مقبلًا رأسها.. وكفى.



