اجتماعيةدراسات

دراسة: “المذهب الكلامي للأشاعرة بالغرب الإسلامي” (2)

- الموقف من علم الكلام قديما وحديثا / علاقة المغاربة بعلم الكلام -

الدكتور سمير الوصبي مدير وحدة الدراسات الاجتماعية والمشرف العام على الابحاث والدراسات بمركز العرب للأبحاث والدراسات.

 الموقف من علم الكلام قديما وحديثا:

اختلفت المواقف بإزاء علم الكلام بين مؤيد له ومعارض وآخذ منه بقَدر، ونعرض إجمالا لهذه المواقف.

المؤيدون: نجد فريقا من المسلمين أيد الاشتغال بعلم الكلام.. ويقف على رأس هؤلاء المؤيدين المتكلمين أنفسهم.. وهؤلاء رأوا ضرورة النظر في أصول الدين واثباتها بالعقل.. إذ أن الايمان القائم على العقل أقوى من الايمان الذي يقوم على التقليد.. وساقوا الأدلة والبراهين على صحة موقفهم، وأشاروا الى ضرورة النظر في مصنفاتهم، بل وأفرد بعضهم كتبا خاصة لأهمية النظر.. ونذكر على سبيل المثال استهلال الماتريدي كتابه التوحيد ببيان أن سبيل معرفة الدين تتم بالنظر بجانب العقل.. وفي ثنايا كتابه الضخم تأويلات أهل السنة في مواضع كثيرة تأييدا لاستخدام النظر في الدين، ونجد للأشعري كتاب استحسان الخوض في علم الكلام يبين فيه ضرورة النظر في الدين، ومن بعده الباقلاني والجويني من الأشاعرة، وفي فريق المعتزلة نجد دعوة واضحة وصريحة لأهمية النظر، ونجد ذلك في مؤلفاتهم كما ذكرها القاضي عبد الجبار في “المحيط بالتكليف” و ” شرح الأصول الخمسة ” وأفرد جزءا من كتابه ” المغني ” بعنوان ” النظر والمعارف ” على بيان أهمية النظر وأنه أول الوجبات على المكلف.

ويقابل هذا الفريق المؤيد لقيام علم الكلام فريقا آخر يعرض قيامه، ويرى أن  في الاشتغال فيه مضرة بالغة، وأن الدين قد نهى عنه.. والى التحريم ذهب الأئمة مالك وأبوحنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وجميع أهل الحديث من السلف.

أما الامام مالك فقد قال: « لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء.. وقال بعض أصحابه: أراد بأهل الأهواء أهل الكلام.. على أي مذهب كانوا ونبه مالك مضرة الجدل في الدين وأن يكون سبيل معرفة(الدين طريق الجدل، فيقول رحمه الله: أرأيت أن جاءه من هو أجدل منه؟. أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟. يعني أن أقوال المتجادلين تتفاوت»[1]؛ فالجدل بذلك يؤدي الى الفرقة والانقسام في الدين.

أما موقف أبوحنيفة فلقد نهى ابنه حماد عن الاشتغال بالكلام، وقد قال حمـــاد: « رأيتك وأنت تتكلم فما بالك تنهاني فقال: يا بني كنا نتكلم وكل واحد منا كان على رأسه الطير مخافة أن يزل صاحبه، وأنتم اليوم تتكلمون.. كل واحد يريد أن يزل صاحبه، وأنتم اليوم تتكلمون كل واحد يريد أن يزل صاحبه. ومن أراد أن يزل صاحبه فكأنه أراد أن يكفر، ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه»[2].

وأبو حنيفة هنا ينبه الى علة تحريم علم الكلام وهي لا ترجع الى طبيعة الكلام ذاته بل ترجع الى سوء استـخدام المتكلمـين للجدل، إذ يصبح الجدل غاية في ذاتـه ولا يكون سبيلا موصلا الى الحقيقة بل سبيل إفحام الخصم وتكفيره، وهذا بدوره ايضا يؤدي الى حدوث الفتنة والفرقة بين جماعة المؤمنين.

والشافعي: كان أكثر نكيرا على المتكلمين حتى إنه يجعل الاشتغال بعلم الكلام من أعظم الكبائر فيقول: « لأن يلقى الله عزوجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام »[3]؛ فهو يلي الشرك من حيث عظم الذنوب وأشدها، والشافعي كان سيء الظن بعلم الكلام وبسوء نتائجه فقال محذرا من الاشتغال به: « لو علم الناس ما في علم الكلام من الاهواء لفروا منه فرارهم من الأسد »؛ وافتى بأن يضرب اصحاب الكلام بالجريد، ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام.

اقرأ أيضا: الجماعات المتطرفة معاول هدم للأوطان وتشويه للإسلام.. “ومضات على الطريق” للشرفاء الحمادي

والشافعي بذلك يرى في علم الكلام خروج عن الكتاب والسنة أو استهانة بهما وترك لهما ولكن يذكر ابن عساكر أن كراهية الشافعي لعلم الكلام لا تنصرف اليه كعلم وانما تنصرف الى كلام القدرية وأهل الأهواء والبدع، بل ويروى أنه قد ناقش هؤلاء وأبطل أدلتهم وبلغ في علم الكلام مبلغا عظيما.

ولم يكـن الامام أحمد بن حنبل أقل من سـابقيه في ذم عـلم الكلام فلقـد قـال: « لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل»، وبالغ في ذم هذا العلم حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة وقال له:« ويحك، ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟. في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك الى الرأي والبحث، بل لقد كان ابن حنبل أكثر تشددا من سابقيه فأفتى بأن علماء الكلام زنادقة»[4].

ولا يمكن اجمالا ان نغفل العوامل التي أدت الى نشأة علم الكلام، وكذا المهمة الدفاعية التي اضطلع بها علم الكلام، والمهمة التوضيحية التي فسرت بها العقيدة تفسيرا عقليا.

ولا يجوز التصريح بأنه لم يؤثر عن النبيعليه السلامأو الصحابة الخوض في هذه المسائل، وذلك بالرد بأنه لم تثر في عهده عليه السلام والصحابة مثل هذه المسائل لذا لم يؤثر عنهم الخوض فيها، ولا يجوز القول بأن هذا العلم بدعة، وأن استخدام مصطلحات الغرض والجوهر وغيرهما لم يعهدها الصحابة، ويمكن الرد على ذلك بالقول أن العلوم الانسانية لم تكن في عهد الصحابة بل تكونت من بعدهم، وأن هذه المصطلحات من أجل فهم العلم وتفسيره ولكل علم مصطلحاته كالحديث والتفسير والفقه وغير ذلك من العلوم.

لذلك نجد فريقا توسط بين المعارضة المطلقة والتأييد المطلق لعلم الكلام وهؤلاء يميزون بين موضوعات علم الكلام، فمنه الكلام المحمود ومنه الكلام المذموم، والكلام المحمود هو المباحث الخاصة بإثبات الواجب لله تعالى وصفاته والنبوة والمعاد على شريعة الاسلام، وهذه المسائل أصل العلوم الشرعية وأساسها وهي تفصيل الايمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر على وجه الايقان والاتقان.

وهذه المباحث المذكورة لتقوية الكتاب والسنة لا لمخالفتها، ورأى الغزالي أن دراسة الكلام من فروض الكفايات..فينبغي أن يكون التدريس من فروض الكفايات.. لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام كتدريس الفقه والتفسير فان الكلام مثل الدواء، والفقه والتفسير مثل الغداء، وضرر الغداء لا يحذر وضرر الدواء محذور.

أي أن علم الكلام مباح عند الحاجة اليه في ازالة الشكوك في أصول العقائد والدود عن الدين ضد المبتدعين ورد حججهم والكشف عن الأمور المخالفة للسنة والتي لهج بها المبتدعة، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فانشأ الله سبحانه وتعالى طائفة المتكلمين، وحرك دوافعهم لنصرة السنة المأثورة بكلام مرتب يكشف عنتلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة؛ فمنه نشأ الكلام وأهله[5].

وعلى هذا فان علم الكلام مباح عند الحاجة، ويجب أن يؤخذ منه بقدر الحاجة وأن يقتصر فيه على الجلي الظاهر وعدم التعمق في الأبحاث والتفريعات.

 

– علاقة المغاربة بعلم الكلام:

كان أهل المغرب في العصر المرابطي يتنافرون علم الكلام على الطريقة الأشعرية معتبرين إياه « بدعة في الدين »؛ لأن المذهب العقدي الذي كان سائدا رسميا زمن المرابطين كان له أتباعه يدافعون عنه، وممثلون يبسطون مبادئه وتفصيلاته، ولكن على الرغم من ذلك فقد عرفت هذه الفترة تراكما كميا لأفكار الأشاعرة، كما شهدت ممثلين لهذا المعتقد.

ويتأكد أن علم الكلام الأشعري كان ضمن العلوم المعروفة في أوساط علماء المغرب الأقصى في العصر المرابطي، لكن إشارة عبد الواحد المراكشي التي يذكر فيها عداء أهل المغرب لمن ظهر عليه الاهتمام بالأشعرية تؤكد من جهتها أن هذا العلم ظل يتحركُ فبدائرة ضيقة من المهتمين به في حين كانت القاعدة العريضة من الفقهاء مُعرضة عن أي نوع من الجدل الكلامي؛ إما لانعدام الدواعي إليه في البيئة المغربية التي وصلت بجهود المرابطين إلى تحقيق قدر لا بأس به من الانسجام المذهبي والعقدي بعد القضاء على البجليين والبرغواطين وتوحيد المغرب الأقصى سياسيا ومذهبيا؛ وإما لانحيازها لأطروحة السلطة المرابطية المتحفظة منه.

ويبدو لنا أن تأسيس دولة المرابطين[6]، قام على شيء من الاعتقاد الأشعري، لكن الظروف كانت أقوى من أن تجعل المرابطين يستعصمون بهذا المذهب الجديد عن مذهب عقدي كان قد ترسخ وعرف جذوره في جميع أوساط الغرب الإسلامي؛ فقد كان تأسيس دولة المرابطين يهدف بالأساس إلى القضاء على الشتات السياسي والاجتماعي الذي كانت تعرفه وقتها بلدان الغرب الإسلامي في كل من الأندلس والمغرب، وفي نفس الوقت توحيد المذاهب الفقهية والعقدية توحيدا تاماً وكاملاً وذلك بالقضاء على ما بقي من فقه الشافعي، والفقه الظاهري، والفقه الشيعي، وفي المقابل على عقائد الشيعة التي كانت ما تزال تهيمن في تونس، فنشأ هاجس التوحيد السياسي والمذهبي في بعض المشاريع الإصلاحية التي كان يحملها مجموعة من المصلحين في هذه الفترة، نعني فترة الانقسام السياسي وما قبل دولة المرابطين. وعلى الرغم من أن دولة المرابطين شاء لها مؤسسها والمنظرون السياسيون لها أن تقوم على عقيدة الأشاعرة، لكن وجودها الفعلي قام على غير ذلك، والتي كانت قد عرفت تجدراً في جل الغرب الإسلامي وبذلك يتأجل موعد أهل المغرب مع هذه العقيدة الأشعرية رسميا نظراً لقوة التدافع الذي أبداه مفكرو العقيدة السابقة أمام ممثلين جدد لهذه العقيدة الجديدة.

فقد عرف المغرب الأقصى خلال هذا العصر تيارين مالكيين متمايزين، أحدهما يتمثل في التيار المالـكي السلفي الذي يشكل استمرار لمدرسة نفيس ومدرسة عبد الله بنياسين، وهو التيار الذي كان منحازا إلى المرابطين، والتيار الثاني هو التيار المالكي الأشعري الأصولي الذي ظل متواصلا مع مستجدات الفكر الإسلامي في المشرق الإسلامي، كما كان يمثل هذا التيار في العصر المرابطـي أبو بكر المرادي الحضرمي وأبوبكر بن العربي المـعافري والقاضـي عياض ومحمد بن تومرت، فأصبحت السيادة فيالعصر المرابطي للتيار السلفي لمساندته للسلطة واستطاع أن يفرض توجهه حتى أن أهل ذلك الزمان – قالوا – بتكفير من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المؤمنين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم فينفسه بغض النظر في علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد فينبذ الخوض في شيء منه، وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه[7].

وأمام هذا التدافع وقعت اصطدامات بين أقطاب الفكر المرابطي، ومفكري العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي حتى بات يشكل خطرا على الدولة المرابطية نفسها، وهذا ما حدا بالخليفة المرابطي أبي الحسن على بن يوسف بن تاشفين أن يطلب الفتوى من أقطاب الفتوى والفقه المالكي في هذه الفترة، وهو أبو الوليد بن رشد الجد (ت520هـ) حينما رأى المذهب الأشعري يتكاثر ويزداد مرددوا أفكاره مع مرور الأيام في كامل الغرب الإسلامي؛ وبخاصة في مناطق نفوذه في المغرب والأندلس، فسأله عن هذا المذهب الجديد وعن أعلامه المشهورين أمثال أبي الحسن الأشعري، وأبي إسحاق الإسفرايني، وأبي بكر الباقلاني،وأبي بكر بن فورك، وأبي المعالي الجويني، وأبي الوليد الباجي ممن ينتحل علم الكلام، ويتكلم في أصول الديانات، أهم أئمة رشاد وهداية أم هم قادة حمق وعمَاّية ؟.

إن هذا السؤال المطروح من قبل خليفة دولة المرابطين لا يمكن أن تفهم دوافعه إلافي إطار ما أحدثه دخول المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي من نقاشات حادة، وسجالات أعقبتها استقطابات عامة لمجموعة من أتباع هذه العقيدة الجديدة مما جعل المجتمع يعرف انقساما إلى مؤيدين مناصرين يعتبرون المذهب الأشعري مذهب الرشاد والهداية، وخصوم انتقدوه رأوه مذهب حيرة وعماية، حتى إن أصوات ارتفعت بتكفير كل أشعري والتبرؤ منه واعتباره على ضلالة، وخائض في جهالة[8]؛ فحار الخليفة أمام الأمر فرفعه إلى مفتي الوقت، وإمام العصر أبي الوليد بن رشد حتى يعرف كيف يكون تصرفه معهم أيتركونهم على أهوائهم أم يكف عن أغوائهم ؟. وهل انتمائهم إلى الأشعرية جُرمة في أديانهم ودخلٌ في إيمانهم؟. وهل تجوز الصلاة وراءهم ؟.

والواقع أن أبا الوليد بن رشد لم يكن أشعريا مع ذلك جاءت إجابته انتصارا لأقطاب المذهب الأشعري، واعتبارهم أئمة خير وهدى، وممن يجب بهم الاقتداء؛ لأنهم قاموا بنصرة الشريعة وأبطلوا شبه الزيغ والضلالة، وأوضحوا المشكلات وبينوا ما يجب أن يدان به من المعتقدات بل إنه اعتبر أن كل من اعتبرهم جهالة وضلالة غبي جاهل، أو مبتدع زائغ ولذا وجب أن يبصر الجاهل منهم، ويؤدب الفاسق، ويستثاب المبتدع الزائغ عن الحق[9].

وكان أشاعرة الغرب الإسلامي في هذه الفترة قد بدءوا في العمل على نشر مبادئ العقيدة الأشعرية بين أوساط العامة وبدءوا يلزمون الناس بالاعتقاد بها بحجة أن النظر العقلي شرط أساسي في الإيمان، لأنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كان عالما أو جاهلا كان قادرا على الفهم والإدراك أو غير قادر، هنا يبدوا ابن رشد رافضا كل الرفض تعليم العامة من الناس المعتقد الأشعري وإلزامهم به كما كان يفعل أشاعرة الغرب الإسلامي في هذه المرحلة لأجل هذا فقد رأى أن من واجب الحكام والساسة المرابطين منع العامة من ذلك، يقول ابن رشد في هذا السياق:« فمن الحق الواجب على من ولاه أمر المسلمين، أن ينهى العامة المبتدئين عن قراءة مذاهب المتكلمين من الأشعريين، ويمنعهم من ذلك غاية المنع مخافة أن تنبو افهامهم عن فهمها فيضلوا بقراءتها، ويأمرهم أن يقتصروا فيما يلزم اعتقاده على الاستدلال الذي نطق به القرآن، ونبه إليه عباده في محكم التنزيل»[10]. فالفتوى إذن صريحة في تصريحها بمنع تعليم ونشر مبادئ العقيدة الأشعرية بين عامة مسلمي الغرب الإسلامي، وجعلها عقيدة رسمية للبلاد،وقد أبرز ابن رشد اعتراضه علىعقيدة الأشاعرة، وعلى تعليمها للعامة قبل سائر العبادات«أن العامة غير قادرين على معرفة الله معرفة صحيحة بطريقة علم الكلام الأشعري، وحتى إذا عرفوا الله من تلك الطريقة الغامضة البعيدة فلا يصلون إلى معرفته من تلك الطريقة إلا بعد المدة الطويلة أو تنبو افهامهم جملة فيمرقون عن الدين »[11]. ويزداد موقف ابن رشد اتضاحاَمن فرض العقيدة الأشعرية للناس بالإكراه، حينما يؤكد على أن كل مُصر على ضرورة تعليم الناس المعتقد الأشعري يعتبر كافرا. وبما أن موقف الفقهاء الرافض للأشعرية قد تحول إلى موقف رسمي للدولة المرابطية، فقد تم تعميمه بأوامر أمير المسلمين وأصبح منع العلماء من تدريس علم الكلام أسلوبا متبعا في مختلف الجهات، وكأمثلة على ذلك فقد قام أحد رؤساء سجلماسة بمنع العالم الصوفي أبي الفضل يوسف بن النحوي التوزري (ت 513هـ/1119م) من تدريس هذا العلم بها  فاضطر لمغادرتها إلى مدينة فاس، ومنع بإلقاء دروس علم الكلام بجامع القرويين أيضا من قاضي فاس أبي محمد عبد الله بن دبوس اليفرني (511هـ/ 1117م) وعلى إثر ذلك قرر مغادرة المغرب الأقصى و الرجوع إلى بلده.

ولقد كان موقف السلطة المرابطية من المذهب الأشعري موقفا سياسيا لأن المرابطين كانوا يشعرون بأن خطرا ما يهدد دولتهم بالزوال إذا انتشر هذا المذهب الجديد، وتفشى في أوساط العامة، وصار ايديولوجيا مضادة لأيديولوجية المرابطين وذلك ما حصل عندما حمل الموحدون الفكر الأشعري كايدولوجيا مضادة لسيادة الدولة المرابطية، وهكذا يظهر أن مرحلة دخول المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي استغرقت مدة طويلة ابتدأت بأوائل من كان له السبق في هذا المجال في أواخر القرن الرابع الهجري لتستمر إلى بداية القرن السادس الهجري، كما أن ممثلي الفكر الأشعري في هذه المرحلة في الغرب الإسلامي عكسوا التأثير الواضح لمتقدمي الأشاعرة، وبخاصة تأثير أبي بكر الباقلاني؛ فجل أشاعرة هذه المنطقة في هذه الفترة سافروا إلى المشرق وتتلمذوا على يد الإمام الباقلاني؛ فأفرزوا رعيلا من الأشاعرة يتميز بما تميز به متقدموا الأشاعرة مضمونا ومنهجا حسـب تصنيـف ابن خلدون. فالسمة التي طبعت المذهب الأشعري في هذه المرحلة بالغرب الإسلامي أنه ظهر بمظهر جماعي أي أفراد أخذوا المعارف الأشعرية من المشرق؛ فكان مذهب النخبة العالمة فجعلت منه شعارها الإيديولوجي بقصد ترسيمه بإحداث دولة جديدة.

كان المغرب الأقصى يختلف عن افريقية والأندلس فيما يخص طبيعة طرح المسألة فإذا كانت افريقية قد عرفت الاعتزال والتشيع؛ فإن المغرب الأقصى لم يعرف هذين المذهبين إلا في حدود ضيقة جدا، فقد أشارت بعض المصادر إلى وجود فئة الواصلية[12]، أتباع واصل بن عطاء في القرن الثاني في قبيلة أوربة، لكنها اندثرت في ظروف غامضة.أما فرقة الشيعة البجلية التي وجدت بنواحي تارودانت بالسوس الأقصى؛ فرغم استمرارها إلى العصر المرابطي فان تأثيرها ضل ضعيفا بسبب محاصرة مالكية سوس لها. وبالنسبة للنحل الأخرى النحلة البرغواطية[13]. ونحلة حاميم الغماري مثلا: فإن فقهاء المغرب آنذاك لم يكونوا يرون جدوى في استخدام الحجج العقلية لمواجهتها، بسبب عقائدها التلفيقية الغريبة، لذلك فضلوا عزلها ومواجهتها بالتعبئة والجهاد[14]؛ حتى تمكنوا من القضاء عليها، واعتبارا لهذا فإن المغرب الأقصى لم يعرف سجالات عقدية بنفس المستوى الذي كانت عليه بافريقية، ومع هذا فإن الأشعرية عرفت بالمغرب الأقصى لكن على نطاق محدود جداً منذ أواخر القرن 4هـ /10م؛ فخلال هذا القرن رحل إلى المشرق عالم فاسي واتصل هناك بأئمة الأشعرية، وهو أبو ميمونة دارس بن إسماعيل الجراوي (ت 357 هـ/ 968م ). الذي تنسب له رسالة في الدفاع عن الأشعرية[15]. وفي بداية القرن الخامس كتب عالم إفريقي أبو الطيب الصفاقسي نزيل أغمات عقيدة أشعرية سماها “العقيدة السنية البرهانية” للشيخ إسحاق بن إسماعيل أمغار حوالي سنة 412 هـ /1020م، وعبر هذه المسالك المختلفة بدأت مؤشرات المذهب الأشعري تصل إلى المغرب الأقصى لكن الاهتمام به لم يكن قد تخطى في هذه المراحل دوائر العلماء المتخصصين.

ومما يجدر التنبيه إليه أن هؤلاء العلماء أنفسهم لم يشعروا آنذاك بضرورة نشر الأشعرية على نطاق واسع التزاما منهم بمواقف كبار علماء أهل السنة الذين كانوا يرون أن علم الكلام لا ينبغي أن يشتغل به العامة لقصور أفهامهم عن إدراك مناهجه وطرق أهله في الاستدلال، وربما أيضا لانعدام الأسباب الداعية إلى إذاعته في البيئة المغربية فظل انتشاره محدوداً إلى حدود عصر المرابطين، ونعتقد أن هذه الأسباب هي التي كانت وراء ذيوعه بالمغرب الأقصى بوتيرة أبْطأ نسبيا من باقي بلاد الغرب الإسلامي.

ومع ذلك نقف في كتب التراجم على أسماء عدد من علماء العقيدة بالمغرب الأقصى في هذا العصر ممن درسوا الأشعرية وألفوا فيها من أشهرهم أبو بكر بن الحسن الحضرمي[16]. الذي رحل من افريقية إلى الأندلس ثم دخل المغرب الأقصى، وارتسم في سلك الأمير أبي بكر اللمتوني ورافقه إلى صحراء المرابطين، وبقي هنالك قاضيا إلى أن توفي بأزكى سنة 489هـ/1096م، وكان الإمام الحضرمي رجلا نبيها عالما وإماما في أصول الدين وله نهوض في علم الاعتقادات والأصول. وبسبب تبريزه فيها اعتبره ابن الزيات التادلي أول من أدخل علوم الاعتقادات إلى المغرب الأقصى، وعنه أخذ تلميذه الزاهد أبو الحجاج يوسف بن موسى الكلبي الضرير الذي نَظم أرجوزة مطولة في العقيدة، واستقر بالمغرب الأقصى إلى وفاته سنة 520هـ/1126م، واعتكف على تدريس علم الكلام بأغمات ووصفه تلميذه القاضي عياض بأنه:« كان من المشتغلين بعلم الكلام بالمغرب»[17]. ومن بين تلاميذه أبو عبد الله مالك ابن مروان اللجوسي الضرير أخذ عنه وعن أبي بكر بن العربي. ومن تلاميذ العالمين السابقين أبو عبد الله محمد بن خلف الإلبيري (ت537هـ/1143م) الذي كان حافظا لكتب الأصول والاعتقادات، واقفا على مذهب أبي الحسن الأشعري وأصحابه، وألف تآليف عدة في الموضوع منها الرد على أبي الوليد ابن رشد في مسألة الاستواء.

وذكر القاضي أبو الفضل عياض في فهرسته الموسومة بالغنية عدداً آخر من المتكلمين، منهم أبو القاسم المعافري الذي اعتكف بسبتة على تدريس الأصول والكلام طول حياته، وذكر أيضا شيخه أحمد الجدامي المعروف بالزنفي ووصفه بشيخ المتكلمين على مذهب أهل الحق في وقته[18]. وقد روى عياض عن هؤلاء الشيوخ عددا من الكتب في علم الكلام والعقيدة من تآليفهم مما كانوا يرونه.

ومما يستحق أن يذكر هنا هو أن أكثر المتعاطفين مع الأشعرية كانوا من ذوي الميول إلى الزهد والتصوف، فعُدت تلك مقدمات تحالف صوفي أشعري لمواجهة المرابطين الذين وقفوا ضد التوجهين معا.

 

 

[1]– الغزالي، احياء علوم الدين، ج 1، ص 95.

[2]– طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة، ج 2، ص 145.

[3]– المصدر السابق، ج 1، ص 96.

[4]– الغزالي، الاحياء، ج 1، ص 95.

[5]– الغزالي، احياء علوم الدين، ج 1، ص 97.

[6]– انظر نقد أبي الحجاح ابن طملوس (ت620 هـ) لموقف فقهاء المرابطين من الأشعرية في كتابه المدخل لصناعة المنطق، نشر آسين بلاثيوس، مدريد 1996، ص 12 وما بعدها.

[7]– المراكشي، المعجب، ص 53.

[8]–  وردت هذه الفتوى في الكتاب مرتين، نسب السؤال في أولاها إلى أمير المسلمين (ابن رشد، مسائل أبي الوليد بن رشد تحقيق محمد الحبيب التجكاني، الدار البيضاء، دار الآفاق الجديدة ط1، 1992م، ج 1،ص 7160 و ما بعدها )، بينما وردت الثانية مع اختلافات طفيفة، وأدرجت  تحت عنوان ” وكتب إليه رضي الله عنه من مدينة فاس، سأل عن الأشعرية ومن استحل طريقتهم وسمى فيه جماعة منهم ” دون الإشارة إلى صاحب السؤال، ولا علاقة للفتوى بما قبلها (المسائل، ج 2، ص 836- 338).

[9]– ابن رشد، المسائل، ج 2، ص 383.

[10]– ابن رشد، المسائل، ج 2، ص 970.

[11]– المصر نفسه، ج 2، ص 971.

[12]– البكري، المعرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، نشر ذي سلان، باريس، د.ت. ص 137.

[13]– وداد القاضي، الشيعة البجلية في المغرب الأقصى، ضمن أعمال المؤتمر الأول لتاريخ المغرب العربي و حضارته، تونس، ج 1، ص 167.

[14]– استمرت الديانة البرغواطية بالمغرب حوالي أربع قرون، لكنها لم تستطع أن تتجاوز مجالها الجغرافي بإقليم تامسنا، انظر محمد الطالبي إبراهيم العبيدي: البرغواطيون في المغرب، الدار البيضاء، دار النجاح الجديدة، 1999م .

[15]– روجي إدريس، الدولة الصنهاجية، ترجمة حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي،1992م، ج 2، ص 330.

[16]– حسن حسني عبد الوهاب، كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ج 1، ص 386.

[17]-القاضي عياض، الغنية، ج 1، ص 351.

[18]– المصدر نفسه، ج 1، ص 352.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى