العميد عماد اليماني يكتب: الدور المصري في القضية الفلسطينية.. تاريخ من الالتزام ومواقف تتجدد

مثلت القضية الفلسطينية أحد المحاور الثابتة في السياسة الخارجية المصرية منذ منتصف القرن العشرين، إذ احتلت مكانة مركزية في الوعي السياسي والشعبي المصري، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم الأمن القومي والهوية العربية. وامتد هذا الدور ليشمل أبعادًا دبلوماسية وعسكرية وإنسانية، تُظهر التزام مصر المستمر بنصرة الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه المشروعة في وجه الاحتلال الإسرائيلي.
منذ نكبة عام 1948، كانت مصر في طليعة الدول العربية التي خاضت مواجهات عسكرية دفاعًا عن الفلسطينيين، كما لعبت أدوارًا محورية في كل المفاوضات والاتفاقيات التي شهدتها القضية، بدءًا من اتفاقيات الهدنة في الخمسينيات، وحتى اتفاق أوسلو مرورًا بكامب ديفيد. وعلى الرغم من تعقيدات العلاقات مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقية السلام عام 1979، فإن القاهرة واصلت دورها كوسيط مركزي يسعى إلى إيجاد حلول عادلة تضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
في العقود الأخيرة، تصاعد الدور المصري على مسارات متعددة. فعلى الصعيد السياسي، تحتضن القاهرة بانتظام لقاءات الفصائل الفلسطينية، في محاولة لرأب الصدع الداخلي وتحقيق المصالحة بين “فتح” و”حماس”. وتُعد مصر الجهة الأكثر قدرة على مخاطبة مختلف الأطراف بفضل علاقاتها المتوازنة، سواء مع السلطة الفلسطينية أو مع الفصائل في غزة. كما تبنت مصر مواقف واضحة في المحافل الدولية، ترفض المساس بالحقوق الفلسطينية، وتؤكد دعمها لمبادرة السلام العربية والقرارات الأممية ذات الصلة.
أما على المستوى الإنساني، فقد كانت لمعبر رفح البري أهمية رمزية وعملية في تجسيد الموقف المصري. فمع كل تصعيد عسكري إسرائيلي على قطاع غزة، تفتح مصر أبوابها لاستقبال الجرحى وإدخال المساعدات الغذائية والطبية. وبرز هذا الدور بوضوح خلال حرب أكتوبر 2023 وما تلاها، حيث كانت مصر من أوائل الدول التي طالبت بوقف إطلاق النار، وتكفلت بتسيير قوافل الإغاثة، كما استضافت عشرات الجرحى والمرضى في مستشفياتها.
في الآونة الأخيرة، برزت القاهرة أيضًا كفاعل دبلوماسي يعيد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في المشهد الإقليمي. وفي ظل التطورات الدولية ومساعي بعض الدول لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شددت مصر على أن أي تسوية عادلة لا بد أن تقوم على أساس حل الدولتين، ووقف الاستيطان، واحترام الوضع القانوني لمدينة القدس.
وبذلك، يمكن القول إن مصر لا تنظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية الدعم الرمزي فقط؛ بل من منطلق مسؤولية تاريخية واستراتيجية، تسعى من خلالها إلى تحقيق الأمن الإقليمي، واستعادة التوازن في منطقة طالما كانت مسرحًا للصراعات. فالدور المصري، بروافده المتعددة، سيبقى ركنًا أساسيًا في المعادلة الفلسطينية، ما دامت فلسطين جرحًا مفتوحًا في الوعي العربي.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



