الرئيسيةتقدير موقف

كيف أصابت الصين واشنطن بالشلل “المفاجئ” في مواجهة إيران؟

يوماً تلو الآخر، تدخل الصين طرفاً على خط المواجهة الأمريكية-الإيرانية لتعيد هندسة المشهد بالكامل؛ فالعالم كله يراقب الولايات المتحدة وهي تحشد، على مدار الأسابيع الأخيرة، أكبر قوة عسكرية لها في الشرق الأوسط منذ حرب العراق عام 2003، وسط ضغط إسرائيلي غير مسبوق لدفع واشنطن نحو الحرب، مما جعل العديد من الخبراء والمحللين يجزمون بأن الحرب على طهران مجرد “مسألة وقت”. ومع ذلك، لا يزال البيت الأبيض غير قادر على اتخاذ القرار، ويبدو أن كلمة السر هي “الصين”.

اقرأ أيضا: عضلات الصين الجديدة (1): المعادن النادرة… وقود المستقبل وسلاح بكين الصامت

فبالأمس، كشفت وكالة “رويترز” عن قيام الصين بالاتفاق مع إيران على بيع صفقة صواريخ كروز من طراز CM-302 فرط الصوتية والمضادة للسفن، بمدى يصل إلى 290 كم وسرعة طيران تبلغ 3.3 ماخ، مزودة بمحركات نفاثة ومعززات صاروخية تعمل بالوقود الصلب. ورغم أن بكين وطهران لم تؤكدا رسمياً صحة الخبر، إلا أن المؤكد أن هذه الصفقة تأتي ضمن حزمة خطوات متسارعة اتخذتها الصين في الأيام الماضية لتقديم الإسناد العسكري واللوجستي لطهران، وهو ما أربك كافة الحسابات في واشنطن وأفقدها عنصر “المفاجأة” والقدرة على المباغتة العسكرية.

هذا الارتباك بدا واضحاً في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المبهمة حول الخيارات المتاحة أمامه، إثر خلافات حادة بين البيت الأبيض والبنتاغون؛ فقد رفض رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، وقادة عسكريون بارزون الدخول في “حرب عميقة” مع إيران، معبرين عن مخاوفهم من حجم وتعقيد العمليات العسكرية واحتمالية وقوع خسائر أمريكية كبيرة. وحذر البنتاغون ترامب صراحة من التداعيات المحتملة للحرب، وتأثير أي حملة عسكرية طويلة على مخزونات الأسلحة في مواضع الارتكاز الاستراتيجي للقوات الأمريكية حول العالم. هذا الموقف دفع ترامب للقول إنه يفضل التوصل إلى اتفاق مع إيران عبر المفاوضات لتجنب المواجهة. وفي هذا السياق، ذكر “ستيف ويتكوف”، مبعوث ترامب الشخصي، أن الرئيس “يتساءل” عن سبب عدم “استسلام” إيران في المفاوضات حتى الآن؛ ومن الواضح أن جنرالات البنتاغون يدركون أن الإجابة تكمن بدرجة كبيرة في الصين، التي شلت قدرة الولايات المتحدة على ضغط الزناد.

جسور الدعم العسكري والاستخباراتي

الموقف الرسمي للصين، على مدار تصاعد المواجهة، اتسم بلغة دبلوماسية “هادئة” ولكنها “حاسمة”؛ حيث دعت بكين إلى تبني إطار يحول دون حيازة طهران للسلاح النووي مع ضمان حقها في تكنولوجيا الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وأكدت أن المفاوضات هي المسار الوحيد، معتبرة أي تصعيد عسكري سيعد تقويضاً للأمن الدولي، ورفضت بكين سياسة “بلطجة” العقوبات أحادية الجانب. ومع ذلك، لم تنخرط الصين مباشرة في مفاوضات الملف النووي ولم تعلق على قائمة المطالب الامريكية المتضمنة الحد من برنامج طهران لتطوير قدراتها الصاروخية بعيدة المدى او على تقليص دور إيران الإقليمي عبر إيقاف الدعم للجماعات الموالية لطهران في اليمن ولبنان والعراق. وحتى حين قامت أمريكا بشن ضربات عسكرية “محدودة” على مواقع نووية إيرانية تبعتها مواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل العام الماضي لم يكن للصين تدخلا مباشرا على الصعيدين العسكري واللوجيستي لدعم طهران.

لكن الموقف يبدو مغايرا هذه المرة، فبعيداً عن البيانات الرسمية، تشير التقارير الاستخباراتية والتحركات الميدانية منذ نهاية يناير الماضي إلى أن الصين بدأت بتقديم دعم يتجاوز المألوف لطهران؛ حيث أطلقت جسراً جوياً لوجستياً لنقل معدات دفاعية حساسة وأنظمة تشويش متطورة تزامناً مع الحشد الأمريكي في المنطقة. كما عززت بكين الدفاعات الجوية الإيرانية بمنظومة بطاريات صواريخ HQ9 المشابه لمنظومة S300 الروسية بعيد المدى، وساعدت طهران في إعادة بناء قدرات الردع الصاروخي التي استُنزفت خلال “حرب الـ 12 يوماً” عبر تزويدها بمكونات دقيقة للصواريخ البالستية ومئات الأطنان من الوقود الصلب.

علاوة على ذلك، زودت الصين طهران بأنظمة رادار متطورة تشمل منظومة Liaowang-1 القادرة على كشف الأهداف، إذ تجمع رادارات تعمل بترددات مختلفة على نطاقات عالية ومنخفضة، ما يسمح بتخطي تقنيات تخفي المقاتلات الأمريكية من طراز F-35 وF-22، كما تستطيع المنظومة تتبع ما يصل الى 1200 هدف جوي في وقت واحد بدقة تزيد على 95%، فضلا عن اعتمادها في رصد الأهداف على خوارزميات الذكاء الاصطناعي مما يقلل معدل الأخطاء في رصد الطائرات والصواريخ الباليستية وهو ما يقضى على ميزة “المباغتة” الأمريكية. كما تستطيع المنظومة الرادارية التكامل مع بطاريات صواريخ HQ9 التي امدتها الصين لإيران عبر تغذيتها بمعلومات استخباراتية ميدانية. ويجهض الكشف المبكر للأهداف الأمريكية محاولات واشنطن شن عمليات كوماندوز في العمق الإيراني على غرار “سيناريو فنزويلا” ويحول دون تمكين القوات الخاصة من الانتشار السريع داخل إيران او تدمير أهدافا على الصواريخ المحمولة بالكتف.

وعملت بكين خلال الأسابيع الماضية على تحصين “السيادة الرقمية” لإيران عبر إدخال تقنيات توجيه بالذكاء الاصطناعي في المسيرات الإيرانية لزيادة دقتها واختراق أنظمة التشويش، واستبدلت أنظمة الاتصال بأنظمة صينية مغلقة يصعب اختراقها سيبرانياً بهدف تأمين الاتصالات العسكرية والمنشئات النووية وحماية البنية التحتية الإيرانية من الهجمات السيبرانية الأمريكية-الإسرائيلية. وفي “صفعة استخباراتية”، نشرت بكين صوراً عالية الدقة من أقمارها الصناعية تظهر تحركات الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين ورحلات النقل العسكري، مما كشف التكتيكات الأمريكية أمام الدفاعات الإيرانية.

دوافع بكين الاستراتيجية

الإسناد الحيوي الذي قدمته الصين لطهران في هذا التوقيت يحمل ثلاث دوافع استراتيجية رئيسية، أولها يرتبط ارتباطا مباشرا بأمن الطاقة الصيني، فحاليا تستورد بكين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية (بمعدل 1.8 مليون برميل يومياً)، وأي ضربة لإيران تعني أزمة طاقة خانقة للاقتصاد الصيني، لاسيما بعد خسارة فنزويلا مؤخرا والتي كانت تعد مزودا رئيسيا لبكين من النفط، فلن تقبل الصين أن تقوم الولايات المتحدة بقطع مزيد من شرايين إمدادات الطاقة. الدافع الثاني أنه في حال ما تمكنت واشنطن من تغيير النظام الإيراني واستبداله بنظام موالي لها، فإن هذا يعني تواجدا أمريكيا في قلب آسيا والاقتراب من حزام الحدود الغربية للصين وتطويقها من الجبهات الشرقية والغربية والجنوبية وهو ما يمثل تهديدا استراتيجيا عميقا للأمن القومي الصيني. وإذا كانت الحرب الأمريكية في أفغانستان عام 2001 أدت الى وجود عسكري أمريكي في تلك المنطقة فان الظروف الدولية اختلفت والصين ليست الصين منذ عقدين لا من ناحية قدراتها العسكرية ولا من حيث وضعها في النظام الدولي حاليا. أما ثالث الدوافع يكمن في أن اندلاع الحرب بإيران سيترتب عليه تداعيات إقليمية خطيرة وفوضى واسعة النطاق ستمتد لسنوات في الشرق الأوسط وخاصة في دول الخليج وهو ما سيترتب عليه تأثيرات مباشرة على المصالح الاقتصادية التي توسعت بدرجة كبيرة في المنطقة خلال السنوات الماضية.

ولكن هل أنهى الدعم الصيني احتمالات المواجهة العسكرية ضد إيران؟ الإجابة ستتوقف على خيار التدخل العسكري الذي تستطيع واشنطن تحمل تكلفته السياسية والاقتصادية، لاسيما وأن إدارة ترامب على بعد أشهر من انتخابات التجديد النصفي، كما ان هذه المواجهة لا تحظى بغطاء دوليا أو تحالفا أوروبيا يضفي لها الشرعية ودون حتى تأييدا اقليميا من دول المنطقة سوى إسرائيل المستفيد الوحيد من اشتعال الحرب. لذلك فإن السيناريو المستبعد حال وصول المفاوضات الى طريق مسدود هو حدوث حرب شاملة ومفتوحة مع إيران لن تتمكن الولايات المتحدة من حسمها عبر المعارك الجوية فقط وستحتم عليها التدخل بريا وهو ما ستكون خسائره للقوات الأمريكية أضعاف حروبها السابقة في أفغانستان والعراق. بينما يظل السيناريو الأقرب تنفيذ عمليات عسكرية “محدودة” النطاق والمدة ثم العودة الى طاولة المفاوضات من جديد. وما بين الخيارين، ستحافظ الصين على توازن دقيق: الإبقاء على إيران “قوية” بما يكفي للصمود، دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع واشنطن، وقد تحول بكين تدريجيا العلاقة مع طهران إلى حجر زاوية في استراتيجيتها لمواجهة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى