تقدير موقف

عضلات الصين الجديدة (1): المعادن النادرة… وقود المستقبل وسلاح بكين الصامت

لم تعد الصين تكتفي بلقب “مصنع العالم”، أو بالوقوف في المركز الثاني اقتصادياً خلف الولايات المتحدة الأمريكية؛ فخلال العقد الأخير، شكلت بكين بهدوء “عضلات استراتيجية” عابرة للحدود والمجالات، تمتد من السيادة على معادن الأرض النادرة إلى الطموح في حكم الفضاء، مروراً بقيادة ثورة الذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات. إننا اليوم أمام صين جديدة تعيد تعريف “القوة الشاملة” خارج أطر القدرات العسكرية التقليدية والاقتصاديات الكلاسيكية. في هذه السلسلة من المقالات، سنحاول تحليل مكامن القوة غير المرئية التي قد تجعل من الصين المحرك الفعلي للنظام العالمي القادم.

المعادن النادرة: عصب الصناعة والتكنولوجيا

إذا كان الفحم مفجر الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، ثم جاء النفط ليقود النهضة الاقتصادية في القرن العشرين، فإن المعادن الأرضية النادرة أصبحت المحرك الذي يدور به عالم اليوم وعصب التفوق التكنولوجي في المستقبل؛ فمن رقائق الأجهزة الإلكترونية إلى محركات السيارات الكهربائية، وصولاً إلى أنظمة الصواريخ بعيدة المدى، لا شيء من كل ذلك يمكن أن يعمل بدون هذه المعادن.

من الناحية العلمية، المعادن الأرضية النادرة (Rare Earth Elements – REE) هي مجموعة تتكون من 17 عنصراً كيميائياً، تُستخرج من قشرة الأرض وتتميز بخصائص فيزيائية وكيميائية فريدة تجعلها حيوية للتقنيات المتقدمة. ووفقاً لتعريف الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية (IUPAC)، فإن المعادن النادرة تلعب دوراً محورياً في تحسين أداء التقنيات الحديثة، مما يجعلها من الموارد الاستراتيجية في مجالات متعددة. وعلى عكس ما يوحي به اسمها، فتلك النوعية من المعادن ليست “نادرة” من حيث الوجود في القشرة الأرضية، لكن الندرة تكمن في صعوبة العثور عليها بتركيزات اقتصادية كافية، والتعقيد الشديد في عمليات استخراجها وفصلها كيميائياً، وهي عملية ملوثة للبيئة وتتطلب تكنولوجيا معقدة ومكلفة للغاية.

تاريخياً، مر الاهتمام العالمي بهذه المعادن بثلاث محطات رئيسية حولتها من مجرد عناصر كيميائية إلى “سلاح استراتيجي” للتفوق التكنولوجي والعسكري:

  1. المحطة الأولى: جاءت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ بدأ استخدام المعادن النادرة في صناعة الرادارات وأجهزة الاتصال العسكرية، لكن الإنتاج كان محصوراً بشكل كبير في الولايات المتحدة.
  2. المحطة الثانية: ارتبطت بالثورة الرقمية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي؛ فمع انفجار عصر الحواسيب والهواتف الذكية، أدرك العالم أن هذه المعادن هي المحرك الفعلي للابتكار.
  3. المحطة الثالثة: شكلها عصر التحول الأخضر منذ عام 2010، حيث أصبحت المعادن النادرة قلب “الاقتصاد الأخضر”، وبات الصراع العالمي ليس على الوقود الأحفوري بقدر ما هو على المواد الخام اللازمة لصناعات الطاقة النظيفة.

وتكمن أهمية المعادن النادرة في دورها المحوري في التكنولوجيا المتقدمة، إذ تدخل في صناعات حيوية كالهواتف الذكية، والمركبات الكهربائية، والتطبيقات العسكرية. كما تدخل هذه المعادن في المنتجات الطبية مثل عقاقير علاج السرطان، وتشكل أهمية حيوية لمستقبل الطاقة المتجددة من حيث إنتاج توربينات الرياح، والمصابيح الموفرة للطاقة، والبطاريات القابلة لإعادة الشحن. وبناءً عليه، تحولت إلى “فيتامينات الصناعة الحديثة”؛ فعلى سبيل المثال، يستخدم النيوديميوم (Neodymium) في صناعة المغناطيسات الفائقة، ويُستخدم اللانثانوم (Lanthanum) في عدسات الكاميرات والنظارات الليلية العسكرية، ويُعد التيربيوم (Terbium) عنصراً رئيسياً في شاشات العرض المسطحة، أما الديسبروزيوم (Dysprosium) فيمثل أساساً في إنشاء المفاعلات النووية وأجهزة الليزر.

إمبراطورية الصين تحت الأرض

منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، أدركت الصين مبكراً أنها تمتلك سلاحاً يمنحها تفوقاً نوعياً على الغرب دون طلقة رصاص واحدة، وكانت المقولة الشهيرة للزعيم الصيني “دنغ شياو بينغ” عام 1992″إذا كان الشرق الأوسط لديه النفط، فإن الصين لديها المعادن النادرة” إيذاناً ببدء بكين السباق على احتكار “محرك المستقبل”. وقد أتاحت الصين استثمارات هائلة في تطوير تكنولوجيا استخراج وفصل وتكرير هذه المعادن، مستفيدة من انخفاض أجور الأيدي العاملة وعدم التشدد في الاشتراطات البيئية، مما أتاح تصدير الإنتاج بأسعار تنافسية.

وقد أدت هذه العوامل إلى امتلاك الصين الهيمنة المطلقة، حيث تمتلك اليوم 44 طن متري من المعادن النادرة (حوالي 60% من الاحتياطي العالمي)، تليها البرازيل بـ 23%، بينما لا تمتلك الولايات المتحدة سوى 12%. واليوم تسيطر الصين على 85% من إجمالي الجرافيت، و70%من الكوبالت، ونحو 60% من الليثيوم. ولم تأتِ هذه الهيمنة صدفة، بل نتاج استثمارات طويلة الأمد في “المعالجة والتكرير”؛ حيث تعالج بكين ما يقرب من 90% من العناصر الأرضية النادرة في العالم. وفي عام 2024، رفعت الصين حصص الصهر والفصل لتصل إلى 254 ألف طن (بزيادة 4.2%)، لإغراق السوق وخنق أي منافسة خارجية.

ولإحكام السيطرة، قامت الحكومة الصينية بدمج كبرى الشركات لإنشاء كيانات عملاقة، أبرزها:

  1. مجموعة الصين للمعادن النادرة (China Rare Earth Group): “التنين الأكبر” الذي تأسس عام 2021، ويعمل كذراع استراتيجي لتحديد الأسعار وكميات التصدير وضمان أمن الإمدادات.
  2. شركة شمال الصين للمعادن النادرة (China Northern Rare Earth Group): أكبر منتج في العالم من حيث الحجم، وتسيطر على منجم “بايان أوبو” العملاق.
  3. شركة شيامن للتنجستن (Xiamen Tungsten): اللاعب الرئيسي في تصنيع المواد المغناطيسية لمحركات السيارات الكهربائية.

اكتساح علوم وتقنيات المعادن

تمتلك الصين براءات اختراع في تقنيات فصل المعادن النادرة تفوق ما تمتلكه الولايات المتحدة وبقية العالم. فحسب بيانات المنظمة الدولية للملكية الفكرية WIPO تمتلك الصين أكثر من 26 ألف براءة اختراع مسجلة في مجال المعادن الأرضية النادرة، هذا الرقم يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف ما تمتلكه الولايات المتحدة (التي تمتلك حوالي 9,800 اختراع)، ما يعنى أن عدد براءات الاختراع الصينية في هذا التخصص يتجاوز ما تملكه الولايات المتحدة، واليابان، والاتحاد الأوروبي مجتمعين. والمثير للاهتمام ليس فقط العدد الإجمالي، بل سرعة النمو؛ فمنذ عام 2011، تسارع معدل تسجيل براءات الاختراع في الصين بشكل مذهل. ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إلى أن الكيانات الصينية تسجل حالياً حوالي 30 براءة اختراع جديدة في المعادن النادرة مقابل براءة اختراع واحدة فقط تسجلها الولايات المتحدة في نفس المجال. وأكثر من 50% من براءات الاختراع الصينية تم تسجيلها في العقد الأخير فقط، مما يوضح تركيز بكين على “تكنولوجيا المستقبل.” ولا تسجل الصين براءات في “التعدين” التقليدي فحسب، بل في العمليات الأكثر تعقيداً، فهي تستحوذ على حوالي 80% من براءات الاختراع المتعلقة بعمليات “الاستخلاص بالمذيبات” وفصل العناصر الثقيلة، وهي العمليات التي تضمن نقاءً يصل إلى 99.9% بينما تكافح المصانع الغربية للوصول لنفس النقاء بتكلفة معقولة. وتمتلك الصين أكثر من 65% من براءات الاختراع في تصنيع مغناطيسات وهي عصب المحركات الكهربائية والصناعات العسكرية. وفي السنوات الأخيرة، بدأت الصين تسيطر على براءات اختراع إعادة تدوير المعادن النادرة من النفايات الإلكترونية بنسبة تصل إلى 82%.

ودلاله تفوق الصين في براءات الاختراع يعني ببساطة أن أي دولة تحاول بناء مصنع لمعالجة المعادن النادرة اليوم، ستجد نفسها مضطرة إما لاستخدام تكنولوجيا صينية محمية ببراءات اختراع وبالتالي دفع رسوم لبكين، أو المخاطرة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، أو قضاء عقود في البحث لتطوير بدائل تكنولوجية لم تسبقهم إليها الصين.

السيطرة على المنابع في آسيا وأفريقيا

كما لم تكتفِ الصين بأراضيها، بل ضخت استثمارات بمليارات الدولارات في مناجم في أفريقيا وآسيا لضمان تدفق المواد الخام إلى مصانع التكرير داخل الصين. ففي عام 2023، أصبحت ميانمار أكبر مورد خارجي للصين للمعادن النادرة الثقيلة وتشمل “الديسبروزيوم” و”التيربيوم” وهما مكونان أساسيان في صناعة السيارات الكهربائية وأنظمة الدفاع الجوي، وقد استوردت الصين حوالي 42 ألف طن متري من هذه المعادن النادرة من ميانمار. كما توسعت الصين في القارة الأفريقية ضمن استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى السيطرة على منابع المعادن النادرة، فتعد بوروندي من الدول القليلة في أفريقيا التي تمتلك احتياطيات عالية الجودة من المعادن الأرضية النادرة وخاصة معدني الباستنايسيت والمونازيت وهي عناصر حيوية للمغناطيسات الدائمة المستخدمة في الصواريخ والسيارات الكهربائية، والصين هي المشتري الوحيد والحصري للإنتاج الخام من هذان المعدنان، حيث يتم شحن الخامات من بوروندي مباشرة إلى المصانع الصينية للتكرير، لأن التكنولوجيا اللازمة لفصل هذه المعادن لا تتوفر إلا في الصين.

 في حين تسيطر الشركات الصينية على حوالي 15 من أصل 19 منجماً رئيسياً للكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية وهو مكون رئيسي في سلاسل توريد بطاريات السيارات الكهربائية. وقد استحوذت شركة صينية على منجم “تينكي فونغورومي” العملاق، مما جعلها المتحكم الفعلي في أسعار الكوبالت العالمية، كما تستثمر شركات صينية في مناجم الليثيوم الضخمة في الكونغو لضمان تكامل صناعة البطاريات مع المعادن النادرة. وتمتلك الصين حصصاً كبيرة بمناجم اليورانيوم والمعادن النادرة في ناميبيا، والتي تحتوي على معادن أرضية نادرة وهي الأغلى والأندر، لذلك سعت الصين الى توقيع اتفاقيات ثنائية مع ناميبيا لتوريد واستثمار المعادن بالشراكة مع شركات صينية.

ونجحت بكين في توسيع استثماراتها الخارجية بالمعادن النادرة من خلال نهج اعتمد على تقديم مساعدات إنمائية لدول آسيا وافريقيا لتطوير البنية التحتية عبر بناء طرق وموانئ وسكك حديدية تربط المناجم بالموانئ الرئيسية، كما استحوذت الشركات الصينية على حصصاً في شركات تعدين غربية متعثرة تعاني نقصا في التمويل، مما منحها سيطرة مباشرة على أنشطة التعدين، وعلى عكس الشركات الغربية، لا تضع الصين شروطاً تتعلق بالديمقراطية أو الإصلاحات السياسية، مما يسهل عليها إبرام صفقات طويلة الأمد مع الحكومات الآسيوية والأفريقية. فالهدف الصيني من هذه الاستثمارات ليس فقط الربح، بل حرمان أمريكا وأوروبا من الوصول إلى منابع المعادن النادرة، فعندما تسيطر الصين على المناجم وتمتلك مصانع التكرير وتكنولوجيا المعالجة، فإنها تصبح “الممر الإلزامي” لأي شركة عالمية (مثل تسلا أو أبل) تريد تصنيع منتجاتها.

ورقة رابحة للضغط السياسي

أثبتت الصين عمليا القوة التي تشكلها المعادن النادرة كورقة ضغط مؤثرة في الأزمات السياسية، فمع تصاعد حدة التوتر في الأشهر الماضية بين بكين وطوكيو على خلفية تصريحات رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشى، والتي ألمحت فيها الى أن اليابان قد تتدخل عسكريا للدفاع عن تايوان، قامت الصين بقطع إمدادات المعادن النادرة وأبرزها العناصر المغناطيسية الفائقة عن الشركات اليابانية، وتستخدم هذه العناصر في تصنيع رقاقات أشباه الموصلات ومحركات الطائرات، وتعتمد اليابان على الصين في 63% من وارداتها الخام من هذه المعادن وهو ما يعنى توجيه بكين ضربة استراتيجية في قلب الصناعة اليابانية والتي تعطلت بعد توقف الإمدادات من الصين وتعثرت سلاسل التوريد للشركات اليابانية. وحسب معهد نومورا للأبحاث في طوكيو، فمن المتوقع أن تتكبد اليابان خسائر اقتصادية تصل الى 17 مليار دولار خلال العام المالي 2026-2027 جراء العقوبات الصينية والتي شملت أيضا حظر الأنشطة السياحية ووقف الواردات اليابانية من السلع البحرية وفرض قيودا على تصدير السلع الصينية ذات الاستخدام المدني والعسكري المزدوج.

ويبدو أن الولايات المتحدة قد استيقظت متأخرا محاولة تقليل الفجوة الهائلة مع الصين في سباق المعادن النادرة، لذلك لم يكن مستغربا ما أعلنه نائب الرئيس الأمريكي منذ أيام عن سعي أمريكا الى تشكيل تحالف دولي وتكتل تجاري للمعادن النادرة لمواجهة الهيمنة الصينية على السوق العالمية لتلك المعادن. وقد تعرضت أوكرانيا لابتزاز واضح من الإدارة الامريكية على مدار السنة الماضية للحصول على حصة كبيرة من معادنها النادرة مقابل الدعم العسكري والمالي. واشنطن طلبت منحها حقوق امتلاك 50% من المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل المساعدات العسكرية السابقة التي قدمتها لكييف، والتي قدرت بنحو نصف تريليون دولار، وتشمل قائمة المعادن الليثيوم والتيتانيوم والجرافيت، وهي معادن حيوية للصناعات التقنية المتقدمة، وتقع أغلبها في مناطق النزاع شرق أوكرانيا.

في دراسة لجامعة جورج تاون الأمريكية، لخصت المشهد حين ذكرت أن العالم سيدخل عام 2030 وهو “رهينة صناعية للصين”؛ فلن تتحرك سيارة كهربائية أو يعمل مولد طاقة دون الاعتماد على المعادن الصينية. لقد استثمرت الصين بصبر، ليكتشف العالم أن مفتاح القدرات التكنولوجية بات في يد بكين وحدها، مما يجعل المعادن النادرة أولى العضلات الاستراتيجية التي تنطلق بها الصين في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى