
إعداد/ الدكتورة راندة فخر الدين
أهمية الشباب في المجتمع المصري
يمثل الشباب المصري الفئة الأكبر عددًا في المجتمع، إذ يشكلون أكثر من 60% من السكان. هذه الفئة ليست مجرد رقم في الإحصاءات الرسمية، بل تعد القوة الدافعة لمسيرة التنمية وبوابة لمستقبل مصر. تتعاظم أهمية الشباب في ظل التحديات الداخلية والخارجية، حيث يظهر مفهوما المواطنة والأمن القومي كركيزتين يجب على الشباب إدراكهما وممارستهما بوعي ومسؤولية، مع ربط ذلك بمسار التنمية المستدامة.
المشهد الديموغرافي
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا بلغ 21.3 مليون نسمة عام 2025، أي ما يمثل حوالي 19.9% من إجمالي عدد السكان، في حين أن من هم دون سن 24 عامًا يشكلون حوالي 50% من السكان. تعكس هذه الأرقام حجم التحدي والفرصة في آن واحد، إذ تضع أمام الدولة نافذة ديموغرافية فريدة تتطلب استثمار هذه الطاقات لتحويل الكم العددي إلى قوة نوعية قادرة على قيادة عملية التنمية.
التحديات البنيوية التي تواجه الشباب
لا تقتصر التحديات التي تواجه الشباب المصري على معدلات البطالة المرتفعة، حيث أظهرت بيانات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية أن معدل بطالة الشباب بين 15 إلى 24 عامًا بلغ 18.7% في عام 2024، وسجلت بيانات الجهاز المركزي معدل بطالة 14.9% للفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا. إضافة إلى ذلك، يعد مؤشر الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب (NEET) من أهم المؤشرات الدالة، حيث بلغ في مصر حوالي 24.6% عام 2023، مع تقديرات تشير إلى وصوله إلى 30% في بعض الفئات العمرية. هذا يعني أن ما يقرب من ربع إلى ثلث الشباب خارج دوائر الإنتاج والتأهيل، مما يضعف إحساسهم بالجدوى ويزيد من قابلية بعضهم للهجرة أو الاستقطاب.
كما تكشف الدراسات عن فجوة نوعية بين الجنسين، حيث أن الفتيات أكثر عرضة للانتماء لفئة NEET بنسبة تصل إلى 44% مقابل 19% فقط بين الذكور في المنطقة العربية. يتطلب هذا الواقع تدخلات وسياسات دقيقة تستهدف تمكين الفتيات والشابات عبر التعليم والتدريب وتوفير فرص العمل المناسبة.
المجال الرقمي ودوره في حياة الشباب
يشهد الفضاء الرقمي حضورًا واسعًا بين الشباب المصري؛ فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت 82 مليون مستخدم بنسبة 72.2% من السكان، ووصل عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 45.4 مليون مع مطلع عام 2024. أصبح الفضاء الرقمي ساحة رئيسية لتشكيل الهوية والمواطنة ومجالًا للتعبير عن الرأي، لكنه في الوقت نفسه يمثل تحديًا أمنيًا بسبب انتشار التضليل الرقمي وخطاب الكراهية واستهداف الشباب نفسيًا وفكريًا.
المناخ الاجتماعي والسياسي ومشاركة الشباب
تفيد استطلاعات رأي (Arab Barometer) بأن مشاركة الشباب السياسية والاجتماعية ترتبط بشكل وثيق بإحساسهم بجدوى المشاركة وقدرتهم على إحداث أثر ملموس. لذا، فإن توفير قنوات محلية ملموسة مثل المجالس الطلابية والمبادرات المجتمعية والجمعيات الأهلية يعد أمرًا ضروريًا لتعزيز الانتماء والثقة. هذه القنوات ليست مجرد أدوات ديمقراطية، بل صمام أمان يحمي الوحدة الوطنية ويمنع الاستقطاب.
تلاقي المواطنة بالأمن القومي والتنمية المستدامة
يتقاطع مفهوم المواطنة مع الأمن القومي في إطار التنمية المستدامة. فالأمن القومي لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل الأمن الاقتصادي من خلال خفض البطالة ودمج الشباب في سوق العمل، والأمن الاجتماعي عبر تعزيز العدالة والمساواة، إضافة إلى الأمن الفكري الذي يتمثل في التعليم والإعلام لمكافحة التطرف، والأمن البيئي بإدارة الموارد ومواجهة التغير المناخي، وأخيرًا الأمن السيبراني من خلال إعداد كوادر شبابية قادرة على حماية الفضاء الرقمي الوطني.
التنمية المستدامة ليست مجرد خطة اقتصادية أو بيئية، بل هي استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الأمن القومي وتحويل الشباب إلى قوة إنتاجية ومجتمعية فاعلة. المواطنة الواعية هي الجسر الذي يربط بين التنمية والأمن؛ فلا يمكن الحديث عن تنمية بدون أمن، ولا عن أمن حقيقي بدون مواطنين فاعلين.
توصيات عملية
- إطلاق برنامج وطني شامل لتأهيل وتشغيل الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل (NEET).
- دمج مفاهيم التنمية المستدامة والمواطنة الرقمية في المناهج التعليمية.
- توفير منصات محلية لمشاركة الشباب في مشروعات مجتمعية ملموسة.
- تصميم برامج تدريبية قصيرة في المهارات المستقبلية مثل البيانات والأمن السيبراني والاقتصاد الأخضر.
- إنشاء سجل وطني للتطوع يربط الشباب بفرص حقيقية ويكافئهم بحوافز تعليمية ووظيفية.
- تعزيز الشفافية عبر نشر بيانات مفتوحة ومنتظمة عن مشاركة الشباب ومعدلات التشغيل.
- الاهتمام بشكل خاص بالفتيات للحد من الفجوة النوعية في التعليم والعمل.
خاتمة
إن الجمع بين المواطنة الواعية والإدراك العميق لمفهوم الأمن القومي ضمن إطار التنمية المستدامة يجعل من الشباب المصري قوة لا يستهان بها. فهم ليسوا فقط مستقبل الوطن، بل ضمانة استقراره وركيزة نهضته. المطلوب اليوم هو الاستثمار في وعيهم وتعليمهم، ومعالجة التحديات مثل البطالة وارتفاع نسب NEET، وإتاحة الفرص الحقيقية لهم ليكونوا شركاء فاعلين في صناعة الغد، حيث يتعانق الأمن مع التنمية ويندمج الحلم الوطني مع طموحات الأجيال الجديدة.
المصادر
- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) – بيانات الشباب 2025 (الفئة العمرية 18–29).
- البنك الدولي (World Bank Data, ILOSTAT) – معدلات بطالة الشباب (15–24) في مصر لعام 2024.
- CAPMAS – النشرة السنوية لبحث القوى العاملة (2024)، معدل بطالة الشباب (15–29).
- Trading Economics – Egypt NEET – نسبة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب (2023).
- Economic Research Forum (ERF, 2025) – دراسة عن NEET في شمال أفريقيا وتأثير العوامل الاجتماعية والسياسية.
- ILO (International Labour Organization, 2023) – تقرير عن مشاركة الشباب في التعليم والعمل والتدريب في المنطقة العربية.
- Arab Barometer – Wave VII (2021–2022) – استطلاعات الرأي حول المشاركة السياسية والاجتماعية للشباب في المنطقة العربية.
- Freedom House (Freedom on the Net 2024 – Egypt) – تقرير حول حرية الإنترنت واستخدام الفضاء الرقمي.
- Digital 2024 – Egypt Report – بيانات استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي (We Are Social & Meltwater).
- الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني (مصر 2023–2027) – وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
- القانون رقم 175 لسنة 2018 – مكافحة جرائم تقنية المعلومات في مصر.
- UNICEF – Country Profile 2024 (Egypt) – بيانات ديموغرافية للشباب (0–24).
- Nasser Saidi & Associates (2024) – تحليل فجوة النوع في معدلات NEET بالمنطقة العربية.



