مجلة العرب

السهرات الرمضانية للمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي تدعو لمبادرة عالمية للتسامح وقراءة قرآنية تعيد ترسيخ رسالة السلام

 

انطلقت فعاليات السهرات الرمضانية للمكتبة الرقمية للمفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي، بندوة فكرية موسعة حملت عنوان «رسائل التسامح والسلام في رمضان»، وذلك ضمن برنامج ثقافي متكامل ينظمه مركز “العرب للأبحاث والدراسات” طوال الشهر الكريم، ويضم 7 فعاليات تجمع بين الفكر والثقافة والحوار.

وشهدت الأمسية الأولى حضورًا نوعيًا ضم أعضاء مجلس إدارة المركز ونوابه، إلى جانب نخبة من أعضاء الهيئة الاستشارية ورؤساء الوحدات البحثية والباحثين، في إطار رؤية المركز التي ترفع شعار “ثقافة – فكر – تنوير… مركز العرب لكل العرب”.

دعوة إلى مبادرة عالمية للتسامح

ودعا المشاركون في الندوة إلى إطلاق مبادرة عالمية للتسامح تستلهم مبادئها من الرؤية الفكرية للشرفاء الحمادي، والتي تقوم على ترسيخ قيم السلام ونشر خطاب التنوير، مؤكدين أن الحوار والتسامح لم يعودا خيارًا فكريًا، بل ضرورة حياتية لضمان استقرار المجتمعات ومواجهة موجات التطرف والانقسام.

وخلصت الندوة إلى عدد من التوصيات الاستراتيجية، أبرزها التأكيد على أن التعايش السلمي وقبول حرية الاعتقاد يمثلان جوهر الرسالات السماوية، وأن غياب السلام يعد المحرك الرئيسي للأزمات والكوارث التي يشهدها العالم. كما شددت على أهمية تفعيل دور المؤسسات الدينية والتعليمية في تأصيل مفاهيم السلام، وتحميل النخبة مسؤولية تعزيز ثقافة التسامح في الوعي الجمعي، إلى جانب التصدي للمحتوى الإعلامي والدرامي الذي يرسخ مشاهد العنف ويؤثر سلبًا في المنظومة القيمية.

قراءة منهجية في المشروع الفكري

كما  نظم مركز “العرب للدراسات والأبحاث” السهرة الرمضانية الثانية، ضمن أنشطة المكتبة الرقمية، أدارها الكاتب الصحفي محمد فتحي الشريف، وشارك فيها كل من الأستاذ الدكتور عبد الراضي رضوان عميد كلية دار العلوم الأسبق، والكاتب الصحفي والأديب هشام النجار.

وأكد الدكتور عبد الراضي رضوان أن المشروع الفكري للشرفاء الحمادي يتميز بالاعتماد المنهجي على القرآن الكريم باعتباره المرجعية الوحيدة، مشيرًا إلى أن هذه المقاربة تمثل “قبسًا جديدًا” ينطلق من نزعة إنسانية خالصة تضع كرامة الإنسان وأمنه وحريته في صدارة الاهتمام، وتدعو إلى تحرير العقل المسلم من الجمود والتفسيرات التي أفضت إلى انحرافات فكرية أضرت بصورة الإسلام.

من جانبه، تناول هشام النجار أدوات قراءة الشرفاء الحمادي للنص القرآني، موضحًا أنها تقوم على ثلاث آليات رئيسية: أولاها اعتبار القرآن كتاب هداية يركز على بناء الإنسان وإيقاظ ضميره، وثانيتها التعامل مع مصطلحات القرآن في سياقها الأصلي بعيدًا عن التحولات الدلالية التي طرأت عليها في التراث، وثالثتها اعتماد منهج “التدبر” القائم على جمع الآيات المتعلقة بالموضوع الواحد وربط محكمها بمتشابهها للوصول إلى المعنى المتكامل دون إسقاطات مسبقة.

وأشار النجار إلى أن هذا المنهج أفضى إلى نتائج مغايرة لما انتهت إليه بعض الكتابات التفسيرية التقليدية، بل ومختلفة جذريًا عن أطروحات عدد من منظّري جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم سيد قطب، ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في أسس فهم النص القرآني باعتباره مشروع هداية وبناء ونهوض للإنسان والمجتمع.

إحياء رسالة السلام

واختتمت الفعاليات بالتأكيد على أن هذه السهرات الرمضانية تمثل امتدادًا لحراك فكري يسعى إلى إعادة الاعتبار للمنهج القرآني القائم على التدبر، وترسيخ رسالة الإسلام بوصفها رسالة سلام وعدل ورحمة، في مواجهة القراءات التي حصرت الدين في مظاهر شكلية أو أطر آيديولوجية ضيقة.

وتأتي هذه الأنشطة في سياق جهود متواصلة لتعزيز القيم الإنسانية الراقية، وإحياء خطاب تنويري يربط بين الإيمان والعمل، ويجعل من شهر رمضان مناسبة لتجديد العهد مع مبادئ السلام والتسامح وبناء الوعي المجتمعي.

“رسالة السلام”.. عبادة الرحمة وأساس الإنسانية

السلام استراتيجية بقاء وازدهار: الإنسان والمجتمع، والاقتصاد والدول

وقال الباحث مركز “العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيچية” رامي زهدي إن السلام ليس مجرد كلمة يتداولها البشر أو شعار ترفعه المنابر الدولية، بل هو أعمق قيمة إنسانية، وعبادة ترسخ الرحمة والأسس التي بنيت عليها الحضارات، وهو صمام الأمان الذي يقي الإنسان من الوقوع في دوامة الصراعات الداخلية والخارجية.

السلام هو التعبير الأسمى عن الرحمة التي وهبها الله للبشرية، تلك الرحمة التي تفتح آفاقًا للعيش الكريم، وتحرر العقل من كابوس الغضب والكراهية، وتحرر المجتمع من شبح الفرقة والتناحر، وهي أيضًا أساس الارتقاء النفسي والروحي والسياسي والاقتصادي.

عندما نتأمل في التعاليم الروحية والأديان السماوية، نجد أن العبادة لم تُجلب عبثًا في حياة الإنسان، ولا كوسيلة بسيطة للاجترار التقليدي، بل كأداة لتهيئة النفس للسلام والحياة المشتركة، فالصلوات، والصيام، والصدقات، والأخلاق الحسنة كلها وسائل تقرب الإنسان من فهم ذاته ومن الآخر، وتعمل على تهذيب الروح، وتحريرها من أسوار الغضب والأحقاد التي تعيق قدرة الفرد والمجتمع على أن يكون سلاميًا في الممارسة والسلوك.

السلام يبدأ داخل الإنسان، فهو حالة نفسية قبل أن يكون علاقة اجتماعية أو جغرافية.

الإنسان الذي يعيش في أحضان الكراهية، ويتشبث بالغضب أو الشكوى أو التجريح، لا يمكن أن يُسهم في نشر السلام بين الآخرين، لذلك، فإن السلام الداخلي هو خط الدفاع الأول الذي يجعل الإنسان يتحول من كائن أناني إلى كائن قادر على المشاركة الحقيقية في بناء مجتمعات مستقرة ومتعاونة.

هذا السلام الداخلي لا يبقى حبيس الذات، بل ينتقل إلى العلاقات الأسرية، حيث تصبح الأسرة اللبنة الأولى في بناء السلام المجتمعي، فالزوجان اللذان يبنيان علاقتهما على الاحترام المتبادل والتسامح، يصبحان نموذجًا لاستقرار الأسرة، التي بدورها تربي الأبناء على قيم الحوار وقبول الاختلاف والتعاون، وليس على العنف أو الاستبداد، بذلك يصبح السلام الأسري حجر الأساس في بناء مجتمعات سليمة ومستقرة قادرة على مواجهة التحديات.

ومع اتساع نطاق العلاقات، يتسع مفهوم السلام ليشمل العلاقات بين الجيران، والجماعات، والمجتمعات، فسلام الإنسان مع من حوله يعكس قدرة المجتمع على التحول من نمط الصراع إلى نمط التعاون، ومن التنافس المدمر إلى التنافس البناء.

هذا السلام الاجتماعي هو ما يدفع المجتمعات إلى إنتاج الثروة، واستثمار المواهب، وتطوير المؤسسات، وإيجاد بيئة صالحة للتعليم والعمل والابتكار.

السلام لا يقتصر فقط على العلاقات الإنسانية، بل يمتد إلى البيئة والكائنات الحية التي نشاركها الحياة على هذا الكوكب. إن احترام الطبيعة والحفاظ على التوازن البيئي هو أحد أعمق تجليات السلام، لأنه يؤمن استمرار الحياة، ويحافظ على مصادر الغذاء والماء والهواء النظيف.

الإنسان الذي يعتدي على بيئته أو يستبيح مواردها دون اعتبار لتوازنها، هو في الحقيقة في حالة عدائية مع الحياة نفسها، ويهدد فرص السلام الداخلي والخارجي معًا.

أثر السلام على الاقتصاد ليس مجرد حديث نظري، بل هو حقيقة قاسية تعكسها المؤشرات الاقتصادية الحديثة. وفق بيانات حديثة، فإن التأثير الاقتصادي للعنف والصراعات بلغ نحو 19.1 تريليون دولار في عام 2023، ما يعادل نحو 13.5 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يقارب 2380 دولارًا للفرد الواحد في العالم نتيجة الخسائر المرتبطة بالعنف وتداعياته.

هذه الأرقام الضخمة تؤكد أن الصراعات لا تدمر فقط الأرواح والممتلكات؛ بل تؤثر بشكل مباشر على قدرة الدول على النمو، وجذب الاستثمار، وتنمية المؤسسات، وتحقيق الرفاهية لشعوبها، وفي المقابل، يظهر أن الدول الأكثر سلمًا مثل آيسلندا وأيرلندا وسنغافورة تحتل مراكز متقدمة في جاذبية الاستثمار، واستقرار الأسعار، وقوة العملة، ومعدلات النمو، ما يدل على أن السلام لا يحقق فقط الأمان، بل يحفز التنمية الاقتصادية والاستثمار.

بالنظر إلى واقع البلدان التي تعاني النزاع أو الضعف المؤسسي، نجد أن آثار الصراع تتجاوز الخسائر المادية لتشمل انخفاض الناتج المحلي للفرد، وتزايد الفقر، وتراجع الخدمات الأساسية.

تقرير البنك الدولي يشير إلى أن البلدان المتأثرة بالصراع شهدت انكماشًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو 1.8 ٪ سنويًا منذ 2020، مقارنة بتوسع قدره 2.9 ٪ في الاقتصادات النامية الأخرى، كما يعيش نحو 421 مليون شخص في هذه الدول بأقل من 3 دولارات في اليوم، وهو ما يمثل نحو 60 ٪ من الفقراء المدقعين عالميًا.

هذه الأرقام تكشف بوضوح أن الصراع لا يعرقل التنمية فحسب، بل يدفع عجلة التدهور نحو مزيد من الفقر، وانعدام الفرص، وتراجع مؤشر التنمية البشرية، مما يجعل السلام أولوية استراتيجية للبقاء والأمن الاقتصادي والاجتماعي.

من منظور الاستثمار، لا يزال العالم يواجه تحديات كبيرة؛ فقد أشار تقرير للبنك الدولي أيضًا إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى اقتصادات نامية بلغت نحو 435 مليار دولار في 2023 وهو أدنى مستوى منذ عام 2005، وهو تراجع مرتبط بزيادة المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، ورغبة المستثمرين في البحث عن بيئات أكثر استقرارًا وسلمًا.

في ظل هذا الواقع، يصبح من الواضح أن السلام ليس فقط رفاهية أخلاقية، بل عنصر اقتصادي جوهري لخلق مناخ مناسب للاستثمار، وتوسيع رقعة الاقتصاد، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، بل إن الدراسات الحديثة على العلاقات الاقتصادية العالمية تشير إلى أن فتح الأسواق وزيادة التدفق التجاري يمكن أن يرفع معدلات نمو الإنتاجية بنسبة تصل إلى 3-5 ٪ سنويًا، ويزيد من الاستثمار الأجنبي بما لا يقل عن 30 ٪ في كثير من الحالات بسبب تحسين التكامل الدولي.

وكذلك، فإن التجارة الدولية تمثل شريان الحياة في شبكة الاقتصاد العالمي، وتشكل أكثر من نصف الناتج المحلي العالمي من حيث حجمها، وقد قفزت من 58 مليار دولار في خمسينيات القرن العشرين إلى نحو 33 تريليون دولار بحلول 2023، وهو ما يعادل تقريبًا 59 ٪ من الناتج المحلي العالمي.

والتجارة لا تزدهر في بيئات الصراع، بل تحتاج إلى ثقة واستقرار سياسي ومؤسسي، لأن مستويات عدم اليقين تؤثر سلبًا على انتقال السلع والخدمات، وتعيق حركة رؤوس الأموال، وتقلل من جدوى الاستثمارات طويلة الأجل.

السلام إذن ليس فقط غياب الحرب، بل بيئة مواتية للتجارة الحرة، وانسياب رؤوس الأموال، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتحقيق نمو شامل.

ومن الأمثلة التاريخية التي تؤكد الأثر الاقتصادي للسلام هي تجارب الاتفاقيات السياسية التي تفتح آفاقًا للتعاون والتنمية، حيث تشير دراسات أكاديمية حديثة إلى أن اتفاقيات السلام بين الدول في منطقة الشرق الأوسط، مثل اتفاقية “كامب ديفيد” وتطبيع العلاقات اللاحق، قد أسهمت في زيادة الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنحو 64 ٪، وزيادة نصيب الفرد من الدخل بأكثر من 80 ٪ مقارنة بسيناريو افتراضي بلا سلام.

هذه النتائج ليست مجرد أرقام نظرية، بل واقع عملي يؤكد أن السلام يولد عائدات تنموية طويلة الأمد من خلال تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الثقة الدولية، وجذب الاستثمار الأجنبي، وفتح أسواق جديدة.

إن السلام ليس حالة مؤقتة أو هدفًا لحظيًا، بل استراتيجية مستمرة تتطلب ترسيخ ثقافة التسامح، وتطوير مؤسسات قوية، وتعزيز الحوار، واحترام حقوق الإنسان، وبناء هياكل اقتصادية عادلة. السلام يبدأ من الفرد، وينتقل إلى الأسرة، ويتسع إلى المجتمع، ثم إلى الدول، وصولًا إلى نظام دولي أكثر تعاونًا وتكاملًا.

عندما نغرس قيم السلام في تعليمنا، وفي ثقافتنا، وفي سياساتنا الاقتصادية والاجتماعية، نضمن أن تصبح الإنسانية أكثر قدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين من تغير المناخ إلى الأوبئة، ومن الفقر إلى الاندماج العالمي.

السلام ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية واقتصادية واستراتيجية لضمان مستقبل أفضل للبشرية ولقاراتنا وشعوبنا.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى