//atef
رأي

د. محمد جبريل العرفي يكتب.. الوعد الصادق: الرابحون الثلاثة والخاسرون الثلاثة

الأنظمة الوطنية لا تتصرف بردات الأفعال، ولا تنصاع لضغوط الإعلام، وتحرص على مستقبل أجيالها فلا تخاطر ببرامجها الاستراتيجية، تبني مواقفها على أسس المصالح الدائمة، وليس الصداقات أو العداوات، ولا تركز على النقلات الوسطية لإعدائها أو خصومها أو منافسيها، بل تقرأ ما وراء ارتباطها بالهدف للطرف المقابل.
منطقتنا العربية منذ بداية الحقبة العثمانية السوداء وهي تابعة ومفعول بها، باستثناء فترات قصيرة بعد حصار الفالوجة، ظهر قادة وطنيون سعوا إلى تحريرها، فتكالب عليهم الأعداء والعملاء فأُجهضت مشاريعهم التحررية منذ الخمسينيات، وإلى الآن مرورًا بمؤامرة 2011.

اقرأ أيضا: د. محمد جبريل العرفي يكتب.. الخاسر الأكبر هو المنبوذ أكثر

أهم العوامل المحركة للصراعات هي الدين والقومية، ولهذا دائما يسعى الأعداء إلى إذكاء الصراعات القومية والدينية لإضعاف الأمة، رغم أنهم يستهدفون في النهاية الأمة بعنصريها الدين والقومية.
فلسطين كانت محفزا للثورة الإيرانية منذ أن اشترط الشاه عام 1963 على خطباء المساجد عدم التعرض للكيان أو ذكر الخميني. بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 79 وطرد الصهاينة وتسليم سفارتهم لفلسطين، نحج الغرب في تأليب بعض الأنظمة العربية لحرب مع إيران استمرت 8 سنوات عرقلت الثورة الإيرانية، وقضت على نهضة العراق، هناك من تفطن للمؤامرة منذ بدايتها واعتبرها حرب تحرير ضد الغطرسة الإمبريالية، وليس حربا عنصرية بين العرب والفرس، أو طائفية بين السنة والشيعة، بعد نهاية الحرب اعترف الشهيد صدام بأنها كانت مؤامرة.
إيران تملك مقدرات اقتصادية فتجري بها سبعة أنهار وتعيش طقس الفصول الأربعة طيلة السنة، وتمتلك احتياطي نفط وغاز، وتستند على حضارة عريقة.
إيران تتحول سريعا لدولة عظمى بصناعة القوة الاقتصادية والعسكرية، فحققت اكتفاء في الغذاء، وحققت نهضة علمية وصناعية، وتفوقت بالمسيرات والصواريخ، ودخلت النادي النووي.
صناعة التقدم تتطلب جبهة داخلية متماسكة، فإيران متعددة الإثنيات والديانات والطوائف.
خطوات إيران يحكمها عنصران؛ (صناعة القوة، وضمان الوحدة الوطنية)، فليس من مصلحتها الانجرار لحرب واسعة، قد تعرقل برنامجها العسكري أو الاقتصادي أو تمس بوحدتها الوطنية. هدف الصهاينة جر الأمريكان لحرب لتدمير إيران، فعندما فشلت الاستفزازات باغتيالات، تم الهجوم على سفارتها بصفتها أرضا إيرانية.
إيران أول الرابحين من عملية الوعد الصادق، لأن عدوها لم ينجح في جرها إلى حرب تدميرية، وجربت قدراتها العسكرية، وعرضت عضلاتها، وولدت للصهاينة ردع دولة بمؤسساتها وقدراتها، وليس ردع فصيل مقاوم. فانكسرت هيبة الكيان وأفقدت شعبه الشعور بالأمان.
الرابح الثاني الصهاينة، لأنها أعادت اصطفاف بعض الغرب والعرب للدفاع عن الكيان، وأوقفت مؤقتًا ضغط الرأي العام المحلي والخارجي، ومنحتهم فرصة اختبار كفاءة دفاعاتهم، مقابل قدرات إيران العسكرية، وطوعت (النتن) لضغوطات بايدن، الذي لا يريد توسيع الحرب، فأجل النتن اجتياح رفح وتوقف عن رد متهور على إيران، لأنه أدرك أن كارثة كانت ستحل بالكيان؛ لولا تدخل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا التي اعترضت وأسقطت معظم الصواريخ والمسيرات الإيرانية قبل أن تصل إلى الكيان، بعضها أسقطها النظام الأردني على رؤوس مواطنيه في مرج الحمام بعمان.
الرابح الثالث: الجماهير العربية المقاومة، التي انتشت بالعملية لأنها ضربت عمق الكيان انطلاقًا من إيران، وشكلت انتقامًا، فالرعب الذي عاشه الغزيون لأكثر من ستة أشهر عاشه الصهاينة ليلة ظلماء، و12 يوما من الخوف.
أول الخاسرين الأنظمة العربية المتصهينة التي انفصمت عن شعوبها فوقفت عسكريًا وإعلاميًا مع الصهاينة. الملفت أن الصحف العبرية تتحدث ببجاحة أن بعض الدول العربية ساهمت في إسقاط المسيرات والصواريخ الإيرانية، أو فتحت أجواءها للصهاينة، وذلك لتأجيج الشعوب لإسقاط الأنظمة، لأن شيطنة الأنظمة تخدم الأجندة الصهيونية، فمن مصلحة الصهاينة استكمال مخطط التدمير، فبعد تدمير العراق وليبيا وسوريا والسودان ولبنان، يسعون إلى تفكيك السعودية والإمارات وتدمير الجيش المصري، ليسهل عليهم التوسع ما بين الفرات والنيل، رغم أن هذه الدول الثلاث انضمت إلى بريكس مما يخرجها من الهيمنة الإمبريالية، لكن الخطر محدق بالسعودية والإمارات جراء التنافس التجاري والخلاف حول إنتاج النفط وحرب السودان وحقل (شيبة) الذي قد يصبح كحقل الرميلة أو حاسي مسعود، وظهر الخلاف على السطح بتدويل السعودية لمحمية (الياسات) التي عجز مجلس الخليج عن احتوائها.
الخاسر الثاني: أوكرانيا، لأن الدعم العسكري الغربي تم توجيههه لحماية الصهاينة، وأصبحت هزيمة المشروع الإمبريالي باستخدام أوكرانيا حتمية.
الخاسر الثالث: عبدة السلاطين من الشيوخ، المزينين لمواقف الحكام، وبعض الإعلاميين العرب الذين تحولوا إلى مرتزقة، لدرجة أن أحدهم يفتخر بجنسية قبيلة،بينما هو يحمل جنسية حضارة 5000 سنة، هؤلاء المرجفون يشيطنون المقاومة وحلفاءها. ويزيفون الوعي، بحرف البوصلة عن العدو الحقيقي، ويحاصرون العقل العربي لكي لا يستوعب أي نصر على الصهاينة، مروجين بأنها مسرحية، ليت أنظمتنا تقوم بمسرحية واحدة، تنهي الغطرسة، وتكبد أمريكا مليار دولار والكيان مليارا ونصف. المرتزقة يروجون الرواية الصهيونية بأن الضربة عديمة التأثير، مع أنه يكفي لو صاروخ واحد اجتاز كل الدفاعات وضرب القاعدة التي انطلقت منها القاذفات لضرب القنصلية، وللتذكير الإعلام الصهيوني عام 91 قال إن صواريخ صدام قتلت فقط شيخاً ثمانينياً مات من الرعب، ثم اعترفوا بعد 30 سنة بقتل 164 صهيونيا وجرح 400..
لإيران والمقاومة أجندات مختلفة ومصالح مشتركة، لولا إيران ما تجرأ اليمنيون على قفل باب المندب، ولا استطاع اللبنانيون تحرير أرضهم، ولا صمدت المقاومة، وأثخنت في العدو.
أوقفوا الانتحار، فالأعداء الوجوديون هم الصهاينة وحلفاؤهم وليس الإيرانيين وحلفاءهم.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى