صبرى الديب يكتب.. الرئيس الديكتاتور

لا أخفي أنني كثيرًا ما تساءلت في نفسي، عن طبيعة الظروف النفسية والحياتية التي يعيشها كثير من قادة الاستبداد والديكتاتورية في العالم بعد الإطاحة بأنظمتهم؛ نتيجة ثورات أو انقلابات تقود أغلبهم للهروب والعيش أذلاء لاجئين في حماية دول أخرى، حتى يداهمهم الموت ويدفنون غرباء تلاحقهم اللعنات.
وظل التساؤل يشكل خاطرًا ملحًا، رغبةً في معرفة الإجابة، لا سيما خلال حقبة التسعينيات توالي الثورات والانقلابات على أنظمة ديكتاتورية، وهروب عشرات من قادة الاستبداد.
اقرأ أيضا: صبرى الديب يكتب.. حاشية الرئيس
وظلت انتظر الإجابة لسنوات، إلى أن جمعني القدر مصادفة بالرئيس الأوغندي الأسبق عيدي أمين، في لقاء غير مرتب بمدينة جدة السعودية عام 2000، لأجد نفسي فجأة أمام أحد أشهر ديكتاتوري العالم، لدرجة أنه وصف بأنه “من أكلة لحوم البشر”.
ولمن لا يعرف عيدي أمين، فهو ديكتاتور دموي حكم أوغندا عام 1971 حتى عام 1979 إثر انقلاب عسكري، وظل طيلة تسع سنوات يمارس بحق الاوغنديين كل أنواع الانتهاكات والتمييز والتصفية والإعدامات الظالمة، لدرجة أن منظمات حقوقية دولية قدّرت أعداد ضحاياه بنحو 500 ألف قتيل.
بلغ حجم التعالي والغرور والانفراد بالسلطة بعيدي أمين، الى حد منح نفسه عشرات الألقاب المثيرة والمضحكة، منها: “آخر ملوك أسكتلندا، قاهر الإمبراطورية البريطانية، الحاج، صليب النصر، المارشال، الدكتور”، إلى درجة أن بعض منافقيه كانوا يجمعون كل هذه الألقاب في جملة واحدة قائلين: “فخامة الرئيس المارشال الحاج الدكتور عيدي أمين دادا”.
فرط دكتاتورية الرئيس الأوغندي، جعلته محل جدل عالمي لسنوات، حيث فرض نفسه كمادة مثيرة للغاية، تناولتها السينما في أعمال وثائقية وروائية بعد الإطاحة بحكمه، كان أشهرها فيلم “عيدي أمين يرسم نفسه” للمخرج الفرنسي باربرت شرودر، وفيلم “آخر ملوك أسكتلندا”، الذي نال عنه الممثل العالمي فورست ويتكر جائزة الأوسكار عام 2006.
لقائي بـ”عيدي أمين” كان محدودا، وتحديدًا داخل محل حلاقة في شارع فلسطين بمدينة جدة السعودية،والتي كان يقيم فيها كلاجئ سياسي، واقتصر على 6 أشخاص، بينهم اثنان من طاقم المحل، وشخصان يهزبان شعريهما، غير أنه مثّل فرصة ذهبيه لحديث نادر مع ديكتاتور دموي تتردد جرائمه في أرجاء الأرض.
وبدأت المفاجأة حين بادرني الحلاق، مشيرًا إلى الشخص الوحيد الذي كان جالسا بجواري بهدوء، قائلاً: “ألا تعرف فخامة الرئيس عيدي أمين؟” نظرت إليه مستغربًا ظنًّا أنه يمازحني، إلا أني نظرت إلى الشخص الذي بجواري فأدركت أنه هو، في الوقت الذي كان صديقي الحلاق مستمرا في حديثه للتعريف بي.
فوقف مسرعا باتجاهه، غير أنه سبقني بأدب جم، وتقدم نحوي، وبدأنا في تبادل التحية، في سلوك مخالف تماما لأغلب تلك الشخصيات، التي غالبا ما يزعجها وجود الصحفيين، غير أن الرجل بادرني بالحديث قائلا: “أنا أحب مصر والمصريين وعاشق لحضارتكم والرئيس عبدالناصر”.
فقلت له: “ونحن نحبكم أيضًا، فنحن والأوغنديون نرتوي من نهرٍ واحد”، فرد ضاحكًا: “نعم، هذه حقيقة”، وبعد حديث مليئ بالمجاملات عن مصر وأوغندا، وحكايات عن فترة حكمه وصراعاته، بادرته قائلًا: “ولكن ما حالك بعيدًا عن أوغندا؟”.
ورغم أنني كنت أتوقع إجابة روتينية من الرجل، إلا أن السؤال بدا وكأنه جاء على الجراح، مما جعله يصمت لثوانٍ، وظهرت على وجهه علامات الانكسار، وسأل بحزن: “وهل تظن أنني سعيد بعيدًا عن أوغندا؟”.
قلت: “ولم لا؟ لقد كنت رئيسًا لدولة عريقة، وحكّمت شعبًا ذا حضارة، والعالم لا يزال يذكرك، وأعتقد أن لديك من المال ما يجعلك سعيدًا.”.
ورغم ابتسامته المتهكمة وملامحه الحزينة والنظر الشارد، أجاب بحزن وصوت منكسر: “ولا أموال الكون تعوض حاكمًا عن حب شعبه ودفء وطنه.”
فقلت: “وهل أنت نادم؟”.
فرد بسرعة: “بالتأكيد لا، لم أندم، فما فعلته شيئًا أندم عليه، وكل قرار اتخذته كان لصالح أوغندا، غير أنني بت مجبرا على القبول بوضع معيّن، ولابد أن أحترم قوانين البلد الذي أعيش فيه.”
قلت: “وماذا لو عاد عيدي أمين إلى الحكم؟”.
قال: “ولو أنك تتحدث عن شيء لن يكون، إلا أن نظرتي لكثير من الأوضاع والقرارات بالتاكيد سوف تتغير، غير أننا نتحدث عن مستقبل لن يأتي”.
ورغم أن حديثي مع عيدي أمين استمر أكثر من ساعة، روى خلالها بحزن فصولًا من سنوات حكمه، وانتهى بإهدائي بضعة أوراق نقدية أوغندية تحمل صورته، كتذكار.
إلا أنني خرجت من اللقاء بيقين، أنّ سمات الجنون الغرور والعظمة وتضخم الذات، دائما ما تجتمع بداخل كل ديكتاتور، بل وتجعله يظن دوما أنه على صواب، غير أن مصيره في النهاية لا يخرج عن الموت قتيلا أو أذلاء منكسرا في الغربة… وكفى.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



