أحمد أنور يكتب.. الحرب الوجودية: هكذا دخل الشرق الأوسط منعطفاً تاريخياً هو الأخطر منذ عقود

فى خضم مفاوضات “جنيف” حول البرنامج النووي الإيراني تحول “صراع الظل” بين إيران، وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى مواجهة عسكرية مباشرة مكشوفة كشفت بوضوح عن فجوة عسكرية كبيرة لم تعد تتعلق فقط بحجم الترسانة المسلحة،بل بنوعية التكنولوجيا والقدرة على شلّ إرادة العدو و “علوم إدارة الحرب”،واستغلال الفجوة الزمنية بين قدرات الأسلحة وتقدمها فى تطوير العمليات فى الميدان.
موازين القوى: صراع “الكتلة البشرية” ضد “التفوق الرقمي”
تتجلى الفجوة العسكرية في تباين العقائد القتالية؛ فبينما تعتمد إيران على “الدفاع المتماثل” والزخم البشري، تستند إسرائيل والولايات المتحدة إلى “السيادة الجوية المطلقة” والحروب الخاطفة والضربات القاسية المفاجئة.
1. سلاح الجو والسيادة الجوية
تُعد هذه المنطقة هي “الثقب الأسود” والأهم في الدفاعات الإيرانية التى يبدو أنها غير موجودة تماماً. تملك إسرائيل أساطيل من طائرات F-35 و F-15 المتطورة،مدعومة بقدرات التزوّد بالوقود جواً التي توفرها واشنطن، مما يجعل الأجواء الإيرانية مكشوفة أمام ضربات دقيقة. في المقابل،ورغم تسلم طهران عدداً محدوداً من الطائرات Su-35 الروسية مؤخراً، إلا أن سلاح جوها لا يزال يعتمد بشكل كبير على طائرات تعود لعقد السبعينيات.
2. الصواريخ والمسيرات مقابل القباب الحديدية
تراهن إيران على ترسانة تضم أكثر من 3000 صاروخ باليستي (حسب تقديرات سنتكوم) ومئات المسيرات الانتحارية. لكن المواجهات الأخيرة في 2024 و2025 أثبتت أن أنظمة الدفاع المتعددة الطبقات (أرو، مقلاع داوود، والقباب الحديدية) قادرة على اعتراض الغالبية العظمى من هذه القذائف، مما يُفقد طهران أهم أوراق ضغطها:وهى “القدرة على التدمير الشامل”.
3.حاملات الطائرات الأمريكية العملاقة.
“أبراهام لينكولن” أتاحت القدرة الهجومية فى الخليج فساعدت فى تدمير سلاح البحرية الإيراني،بينما وفرت “جيرالد فورد” مظلة دفاعية قوية أمام سواحل إسرائيل،ناهيك عن معاونة الدول العربية والخليجية فى اعتراض عدد من الصواريخ باعتبارها تهدد أمنها القومى.
ماهى أسباب الفجوة؟ لماذا تأخرت طهران وسبقت تل أبيب؟
- التمويل العسكري: تنفق إسرائيل حوالي 34.6 مليار دولار سنوياً على الدفاع (مدعومة بمليارات إضافية من واشنطن)، بينما ميزانية إيران الدفاعية الرسمية لا تتجاوز 10 مليارات دولار، تُستنزف أجزاء كبيرة منها في دعم الحلفاء الإقليميين.
- الحصار التكنولوجي: عقود من العقوبات منعت إيران من الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة وأنظمة الرادار الحديثة، مما دفعها للتركيز على “الكم” وليس “الكيف”.
- العمق الاستراتيجي المتآكل: خسارة إيران لبعض نفوذها في سوريا بسقوط حليفها بشار الأسد،وتفكك أجزاء من “محور المقاومة” بعد ضربات 2025 العنيفة، جعل المواجهة تنقلب إلى “داخل” الحدود الإيرانية بدلاً من إبقائها خارجها وبعيدة عنها.
- العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية منذ عقود ضد إيران،بينما دعم لايتوقف لإسرائيل.
كل ذلك أدى لهذا الأداء العسكرى المتدنى رغم إلقائها الصواريخ على القدس وتل أبيب وحيفا وبعض المصالح الأمريكية في الأردن ودول الخليج،والذى لا يتناسب تماماً مع المعلن من تهديدات ووعيد إيران بقوة وقدرة الدولة على الدفاع والهجوم وتدمير الأعداء.
ولعل ذلك ماأكده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بقوله إن الرد الإيراني جاء أقل بكثير من المتوقع.
ولعل أهم ماقامت به إسرائيل ومايثبت قوة خطتها أنها كررت فى حرب فبراير مافعلته فى حرب يونيو 2025 باستهداف كبار قادة إيران العسكريين والسياسيين وكل من استطاعت الوصول إليه فى أول يوم من أيام الحرب،الأمر الذى أصاب الدولة بالارتباك وحرمها من “استقرار بنية النظام”.
أسرعت إسرائيل بقتل المرشد “علي خامنئي” ووزير الدفاع ورئيس الأركان وغيرهم ماجعل طهران منشغلة بمسارين.. تعويض القادة، ومواجهة الهجوم الشامل.
وفى ظل هذه الحالة “المهترئة” التى بدت عليها إيران يثار السؤال الأهم..ماهى تداعيات الفجوة؟وهل يسقط النظام أم يستمر؟
تقف طهران اليوم أمام معضلة وجودية؛فالفجوة العسكرية لم تعد مجرد أرقام أو “كشف حساب الخسائر”،بل صارت تهديداً مباشراً لاستقرار الحكم:
يرى محللون أن النظام الإيراني يتسم “بقدرة عالية على التكيف”، لكنه في 2026 يواجه لأول مرة اختباراً صعباً حاسماً، وتنسيقاً أمريكياً إسرائيلياً يهدف صراحة إلى “تحجيم النفوذ” وليس فقط “احتواء النووي”.
سعت السلطة الحاكمة وبسرعة لتكليف بدلاء فى جميع المناصب الشاغرة،لكن الأمر ليس بهذه السهولة وكفى..فالحرب مستمرة مادامت الدولة تنتهج نفس النهج فى المفاوضات وتتمسك بحلفائها الإقليميين الذين يمثلون تهديداً لما يسمى “أمن إسرائيل”.
الخاتمة: ما وراء الرصاص
إن الفجوة العسكرية الواضحة تجعل من المواجهة العسكرية الشاملة خياراً “خاسراً” لطهران بالمعايير التقليدية. لذا.. يبقى الرهان الإيراني هو “الصمود السياسي” وربما تسريع المسار النووي كخيار أخير لفرض معادلة ردع جديدة تعوض الفجوة في السلاح التقليدي والقدرة على إدارة الحروب.



