//atef
الرئيسيةدراساتسياسية

التنظيمات الإسلامية في الجزائر.. لعبة القط والفأر «دراسة»

رؤية بحثية للباحث والإعلامي المغربي.. عبدالرحمان الأشعاري خاص منصة «العرب 2030» الرقمية

التنظيمات الإسلامية في الجزائر يحاول هذا البحث رصد وتتبع المسارات التي سلكتها تنظيمات الحركة الإسلامية في الجزائر، وبسط بعضا من المعلومات والمعطيات التاريخية حول حركيتها وتفاعلاتها، وشرح وتوضيح مرتكزاتها الفكرية والعقدية وكذا منطلقاتها ومواقفها، وكيفية تعاطيها مع الأحداث السياسية والاجتماعية محليا وإقليما ودوليا، والوقوف على أبرز المحطات التي كانت فيها فاعلا ولاعبا سياسيا مهما.

كما يقف هذا البحث على الأسباب والحيثيات التي جعلت هذه التنظيمات تدخل في صدامات وصراعات مريرة مع أجهزة النظام الحاكم، وإبراز نتائج ومخلفات هذا الصدام، ويوضح بالمقابل كيف استطاع النظام الجزائري أن يساير تكتيكات هذه التنظيمات، وكيف احتواها وتجاوزها معتمدا في ذلك على مجموعة من الأساليب والطرق أهمها طريق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.

 

مدخل

تزامن الظهور الأول للحجاب الشرعي بالجامعة الجزائرية بافتتاح أول مسجد في هذه الجامعة في سبتمبر/ أيلول من العام 1968م، وهو العام نفسه الذي عرف تنظيم أول ملتقى للفكر الإسلامي من قبل “مركز التوجيه الثقافي”.

لقيت هذه المبادرة ومبادرات أخرى مماثلة، استحسانا وقبولا من طرف الدولة الجزائرية، التي قامت بعد أقل من عامين وتحديدا في الشهور الأولى من العام 197Oم في شخص وزيرها في الشؤون الدينية والتعليم، بحملة استنكار وشجب منظمة ضد كل مظاهر التفسخ والرديلة والعري والانحلال الخلقي التي تفشت حينها في المؤسسات الجامعية، بسبب الانفتاح على الغرب الاستعماري والتأثر بعاداته وتقاليده وثقافته في الأكل واللباس وما إلى ذلك..

لقد كانت هذه الحملة هي المدخل والأساس، الذي سيستغله الإسلاميون للانفتاح على مختلف الشرائح المجتمعية في الجزائر خاصة منها الفئات الكادحة، للتعريف ببرنامجهم وأهدافهم وبورقتهم المذهبية بهدف توسيع دائرة نفوذهم الخاصة، وبرزت على الخصوص في هذه الفترة “جماعة مسجد الطلبة”، (1) التي ستعرف فيما بعد باسم “جماعة البناء الحضاري”، تحت قيادة كل من الدكتور محمد بوجلخة ثم الشيخ محمد السعيد، مستلهمة أفكارها ومرجعياتها من جمعية العلماء المسلمين ومن المفكر الجزائري مالك بن نبي، ومتبنية مبدأ الاستقلالية التنظيمية، حتى أن قيادات هذه الجماعة عارضت تأثر بعض قيادات العمل الإسلامي في الجزائر بتجربة الإخوان المسلمين في مصر، معارضة شديدة.

وفي العام 1976م، ستتعزز ساحة الحركة الإسلامية في الجزائر بمكون جديد إسمه جماعة الشرق أو جماعة جاب الله، وهي الجماعة التي سيخترق من خلالها الإخوان المسلمون في مصر الحدود الجزائرية، وسيختارون عقب المراجعة الشاملة لمنطلقات العمل وبعض مفردات الخط الفكري في العام 1986م، الشيخ محفوظ نحناح مراقبا لهم في الجزائر وممثلا في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثمة يمكن القول، إن الانطلاقة الحقيقية لجماعة الإخوان المسلمين في الجزائر لم تبدأ إلا في أواسط عقد الثمانينيات.

ويعتبر “تجمع الجامعة المركزية”، المنبثق عن النداء الذي وجهه مجموعة من العلماء أبرزهم الشيخ أحمد سحنون والشيخ عبداللطيف سلطاني والدكتور عباسي مدني بتاريخ نونبر/تشرين الثاني 1982م، أول محطة علنية أخرجت الحركة الإسلامية إلى ساحة الفعل العلني والجماهيري، وطالب هؤلاء العلماء من خلال هذا النداء، السلطات الجزائرية بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية ومنع الاختلاط في المؤسسات، واعتماد الاقتصاد الإسلامي بدل الارتهان للإقتصاد المبني على المعاملات الربوية.

وخلال العام 1989م، تم تأسيس “رابطة الدعوة الإسلامية”، واختار أعضاءها الشيخ أحمد سحنون، أحد أشهر تلامذة العلامة عبدالحميد بن باديس لإدارتها والإشراف عليها، وكانت هذه الرابطة تضم مجموعة من الرموز الإسلامية ذات التوجهات والمرجعيات المختلفة، مثل محفوظ النحناح، وعباسي مدني، وعبدالله جاب الله، وعلي بلحاج، ومحمد السعيد، دعوا جميعهم إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإصلاح العقيدة، والتحلي بمكارم الأخلاق.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ.. في واجهة الأحداث

شكلت الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة التي كانت تجتازها الجزائر آنذاك، والتي توجت باندلاع انتفاضة 5 أكتوبر 1988م (2)، عاملا جذب الإسلاميين للتفكير في ولوج عالم السياسة، وسيتأتى لهم ذلك بإعلان الشيخ علي بلحاج يوم 18 فبراير/شباط 1989م، عن تأسيس “الجبهة الإسلامية الموحدة”، التي سيطلق عليها الراحل عباسي مدني فيما بعد اسم “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”.

وقد استفادت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” من التعديلات الدستورية التي شهدتها الجزائر في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد بتاريخ 23 فبراير 1989م، والتي أنهت احتكار الحزب الواحد للسلطة، وسمحت بالتالي ولأول مرة في تاريخ البلاد بالتعددية الحزبية، وانتهاج سياسة الانفتاح والمراجعة، وهو الشيء الذي منحها دفعة قوية على حساب الاتجاهين اليساري والليبرالي، وشكلت المساجد بالنسبة لمناضلي الإسلام السياسي المعاصرين المعاقل القوية لبناء الحركة الإسلامية، وتعزيز موقع المعارضة الإسلامية تجاه السلطة (3)، وقد كان هؤلاء حريصون كل الحرص على تعزيز موقعهم داخل بيوت الله عن طريق استقطاب المرشدين والأئمة والقيمين الدينيين وخاصة منهم خطباء المساجد.

وبذلك اخترقت خطب الجمعة الأزقة والشوارع، ومدن الصفيح الفقيرة، والتجمعات الشعبية ذات الكثافة السكانية مثل حي القصبة، وحي باب الواد، وحي بلكور، وحى الحراش، حيث تسكن بعض العائلات المكونة من خمسة إلى ثمانية أفراد في حجرة واحدة في كثير من الأحيان، ووجد الشبان العاطلون عن العمل ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما، الذين تركوا المدارس مبكرا، أو الذين يحملون شهادات تعليمية متوسطة (4) في خطب المساجد، الملاذ والمخرج والخلاص من المحنة والمعاناة.

يصاحب كل ذلك نهج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، طريقة خاصة في الإقناع والحرص على تبني الحوار كمرتكز أساسي في التعامل مع الآخر، ونبذ العنف والتعصب الحركي، يقول الشيخ علي بلحاج في مقابلة صحفية مع مجلة البيان الصادرة عن المنتدى الإسلامي بلندن في عددها 23 الصادر شهر دجنبر من العام 1989م متحدثا عن هذه المرحلة من تاريخ الجبهة :” إن طريق النجاة إنما يتمثل في الاستمساك بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي فهم السلف الصالح، وأي طريق نسلكه لاستئناف حياة إسلامية بعيدة عن كتاب الله وسنة رسول الله سيؤدي إلى طريق مسدود، وقد أثبتت التجارب ذلك، وأنصح المسلمين (…) أن يجعلوا الأحزاب وسائل لا غايات، وأن يبتعدوا عن التعصب الحركي، وأن يجعلوا الحق فوق الأشخاص لا العكس” (5).

وعلى الرغم من أنه كان متشددا في مواقفه إلا أنه كان دائما يسعى للحوار من أجل المصالحة الوطنية، ومن جملة النقاط التي كان يركز عليها مع محاوريه، الوصول إلى قناعة عميقة بأن الحوار ينبغي أن يكون مع الجميع دون أي إقصاء، الاعتراف بأن الأوضاع تعالج بالحكمة والعقل لا بالعنف والقوة التي لا تأتي بأية نتيجة بل عواقبها وخيمة، الإلحاح على ضرورة إيقاف النزيف الدموي من كلا الجانبين الوطن بحاجة ماسة لكل أبنائه، الإقرار بأن الأمور في الجزائر اختلطت وتعفنت ولا بد من تضافر كل جهود الخيرين من أبناء هذا الشعب لإيجاد الحلول الممكنة، تحييد وحصر الأطراف السياسية المناوئة من الأقليات الإيديولوجية التي لا ترضى بالحوار، ولا هم لها إلا الاصطياد في الماء العكر، إيجاد حل شرعي مناسب يحدد الظالم من المظلوم على أساس رفع الظلم عن المظلوم وإعطاء كل ذي حق حقه، حق اختيار الأمة بكل حرية وقناعة فالصندوق هو الفاصل بين كل الأطراف.

وتعاظم نفوذ جبهة الإنقاذ وأنصارها في التغلغل في المجتمع، ونجحوا في إقناع الشعب بأنهم البديل الذي ينشده الجميع للتصدي لفساد لوبيات الدولة والجيش، ومن تمة تعاظم طموحها السياسي في لعب أدوار طلائعية على المستويين المحلي والإقليمي، يقول الشيخ عباسي مدني في حوار أجراه مع الجزيرة.نت بتاريخ 15 نونبر 2003 بخصوص هذه المرحلة: “هكذا.. ها هو الشعب يعاني ما عاناه إبان الاستعمار ولكن بعد الاستقلال.. ترى ماذا يكون موقف شخص عاش اندلاع الثورة وآمن بمبادئها، ثم عاش ليرى ما عليه الشعب الآن، أفقر شعب في أغنى دولة في المنطقة، شعب ضحى بالملايين من أجل سيادته وتغتصب سيادته”.

وأضاف في ذات الحوار “إن صاحب القرار السياسي في الجزائر لا تكاد تجد له أثرا على الإطلاق، من الذي يتصرف في جميع أمور الحياة؟! مجهول.. وإذا كان مجهولا فمعنى ذلك أنه غير شرعي، والقرار السياسي يتصرف فيه عن طريق وصي فعلي ذي طابع ديمقراطي شعبي، فاسم الدولة الآن هو الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، أين إرادة الجمهور فيها؟ وأين إرادة الديمقراطية وروحها الحرية؟”، مبينا أنه لا توجد في العالم بأسره وعبر التاريخ ديمقراطية فاقدة للحرية بل وتقمع الحرية.. إنها شعارات تخفي وراءها جلادي الشعب الجزائري.. وهكذا انتهى الأمر بالجزائر إلى أزمة متفاقمة منذ العام 1962 إلى اليوم.. أزمة سياسية في عمقها لا تزال تتراكم أبعادها وتتعقد مشكلاتها وتتفاعل لتسير بالجزائر نحو الهلاك اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا”(6).

وقد أثار هذا الاهتمام والنزوع السياسي لجبهة الإنقاذ فضول السلطة، التي بدأت ترتعب وتشعر بأنها مهددة في وجودها في ظل ما تراكمه الجبهة من نتائج سياسية مهمة في الداخل والخارج، ولذلك شرعت في تدشين سلسلة من الصدامات العنيفة بينها وبين أنصار جبهة الإنقاذ في أكثر من موقع وأكثر من مناسبة، كانت أعنفها ما حدث في يونيو 1991م حينما تدخل الجيش بشكل قوي لتفريق عناصر الجبهة الذين كانوا معتصمين في أهم ميادين العاصمة الجزائرية، والنتيجة اقتراف “مذبحة” راح ضحيتها الكثير من رفاق الشيخ عباسي مدني.

على الجانب الآخر من الحركة الإسلامية، رفض الشيخ محفوظ نحناح رفضا قاطعا الدخول في مشروع جبهة الإنقاذ، ورفض منذ البداية فكرة تأسيس حزب سياسي، إلا أنه عاد وأسس حزب “حركة المجتمع الإسلامي” في 30 مايو/آيار من العام 1991م، في حين كان عبدالله جاب الله قد قرر في مارس/آذار من العام 1989م تأسيس حزب “حركة النهضة الإسلامية”، وظهر الاختلاف والتباين بين التنظيمات الثلاث بشكل جلي على مستوى الأفكار والمرجعيات والتوجهات وكيفية التعاطي مع الفاعلين في الساحة من جهة، ومع سلطة النظام الحاكم من جهة ثانية.

وفي يونيو/حزيران من العام 1990، حلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في المرتبة الأولى في أول انتخابات جماعية عرفتها دولة الجزائر، عام بعد ذلك وتحديدا في 25 ماي/آيار، دعت جبهة الإنقاذ إلى تنظيم إضرابات ومسيرات وتجمعات في الساحات العمومية احتجاجا على التعديلات التي همت قانون الانتخابات وتقسيم الدوائر انتهت بعقد كل من رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الدكتور عباسي مدني ونائبه الشيخ علي بلحاج، اجتماعا طارئا مع رئيس الحكومة آنذاك مولود حمروش، أسفر عن التوقيع على اتفاقية تقضي بأن تنظم الجبهة تجمعاتها في أربع ساحات عمومية فقط، غير أن هذه الاتفاقية سرعان ما تم خرقها بعدما تم انتخاب حكومة جديدة وإنهاء مهام حكومة حمروش، بحيث أعطيت الأوامر للأمن والجيش بالتدخل لاقتحام الساحات وتفريق المعتصمين، ولم تكتف القوات العمومية بذلك بل قامت أيضا باعتقال كل من الشيخ عباسي مدني ونائبه في الجبهة علي بلحاج، قبل أن يفرج عنها بعد ذلك.

حضور جبهة الإنقاذ في الساحة سيتعزز وسيتصدر المشهد السياسي بفوزها الكبير يوم 26 دجنبر/كانون الأول من العام 1991م بالمرحلة الأولى من أول انتخابات تشريعية جرت بالبلاد، بحيث حصدت الجبهة 188 مقعدا من أصل 232، مبتعدة وبفارق كبير عن صاحب المركز الثاني حزب جبهة القوى الاشتراكية بـ25 مقعدا، فيما اكتفى حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بـ16 مقعدا فقط.

فوز أقلق راحة وبال قادة الجيش الجزائري، ما جعلهم يتدخلون لأجل إجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على حل المجلس الوطني الشعبي في 4 يناير/كانون الثاني من العام 1992م، ثم تقديم استقالته أسبوعا بعد ذلك وتحديدا في 11 من الشهر نفسه، ليعلن قادة الجيش لاحقا وفي محاولة منهم لملأ الفراغ الدستوري، الذي جاء بسبب استقالة بن جديد، إسناد الحكم إلى المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف ثم علي كافي تمهيدا لإلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات.

وتسارعت الأحداث بشكل فاق كل التوقعات، وتم حسب مصادر رسمية، اعتقال 5000 من أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بينما تؤكد الجبهة أنه تم اعتقال 30.000، ونقلوا إلى سجون في الصحراء الكبرى، بل إن الاعتقالات شملت حتى الأعضاء الذين كانوا خارج الحدود مثل ما وقع لنجلي الشيخ عباسي مدني (إقبال وسليم) في ألمانيا (7)، وقامت منظمة العفو الدولية بالإشارة إلى الكثير من الانتهاكات في حقوق الإنسان خلال تلك الفترة، وفي 4 مارس/آذار 1992 قامت الحكومة بحظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقرار من المحكمة الإدارية، وحلت كل المجالس المحلية التابعة لها، وهو الشيء الذي اعتبره أعضاء جبهة الإنقاذ بمثابة إعلان حرب، وقرروا البدء بحرب عصابات، وانضم إلى الجبهة في هذا الإطار، فصائل أخرى كانت تنتهج مبدأ الإسلام السياسي مثل جماعة التكفير والهجرة والحركة الإسلامية المسلحة والجبهة الإسلامية للجهاد المسلح، وهي جماعات راديكالية (8) ومتطرفة في تطبيقها لمبدأ الإسلام السياسي مقارنة بأسلوب الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي وصفت بأنها أكثر وسطية واعتدالا، واتخذ هؤلاء المقاتلون من المناطق الجبلية في شمال الجزائر كمعاقل رئيسية، ينطلقون منها لتنفيذ عملياتهم المسلحة ضد أفراد الجيش وقوات الأمن وبعض المصالح الحكومية مثل شركات إنتاج النفط والغاز (سوناطراك) ومحطات القطار والمطارات، مثل ما حدث بمطار الجزائر، عندما تعرض لانفجار راح ضحيته تسعة قتلى، وأصيب مائة وثمانية وعشرون آخرون بجروح متفاوتة الخطورة.

وفي 29 يونيو من العام نفسه، تعرض محمد بوضياف للاغتيال على يد أحد حراسه، والذي وصف بكونه متعاطفا مع جبهة الإنقاذ، وهو ما زاد في حدة الأزمة، على اعتبار أن هذا الرجل كان يعتبر رمزا من رموز جيش التحرير، وكان الجميع يعقد عليه آمالا كبيرة لإعادة الهدوء والطمأنينة والاستقرار للبلاد.

وتم على إثر ذلك اعتقال رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ ونائبه الشيخ علي بلحاج، بتهمة المس بأمن الدولة والإعداد للقضاء على الحكم والنظام الجزائري والدعوة إلى عصيان مدني، وأدانتهما المحكمة العسكرية برئاسة القاضي الأخضر بوشيرب في مدينة البليدة بإثنى عشرة عاما سجنا نافذا، وفور صدور الحكم قال الشيخ عباسي مدني للمحقق قولته المشهورة “من المؤسف أن توجه بهذا الشكل المفتعل تهم لرئيس حزب بمقتضى انتخاب الشعب، إنّ القضيّة سياسيّة من أساسها، وإننّي أتكلّم هذا الكلام للحقيقة والتاريخ، فهل يعقل أن يخطف رئيس الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ أكبر حزب في الجزائر من قبل الدرك الوطني” وزاد موضحا “اتهامنا بأننّا نعمل على الإطاحة بالحكم شبهة، لأنّ الذي يطيح بالحكم لا يطالب بالشرعيّة والانتخابات، فهذا المنطق ضدّه ودعوة لتغليب اللاشرعيّة على الشرعيّة، والذين اعتقلونا هم الذين استعملوا العنف، والإسلام دين الرحمة، والإضراب كان وسيلة للوصول إلى الشرعيّة بالشرعيّة”.

وبعد اعتقال شيخي الجبهة الإسلامية للإنقاذ دخلت الجزائر في حمام دم أو ما بات يعرف بـ”العشرية السوداء”، كبد خزينة الدولة خسائر فادحة قدرت بعشرات الملايير من الدولارات، وراح ضحيته أزيد من 250 ألف من أفراد الشعب الجزائري.

العشرية السوداء.. محنة الجزائريين

“خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، المدارس أحرقت وساكنة الأرياف هجرت، والمصانع دمرت، وأصبح الجزائري في رحلة نحو المجهول” (9).

العبارة أعلاه جزء من مما جاء في شريط وثائقي عن العشرية السوداء يحمل عنوان “حتى لا ننسى”، أنتجه وبثه التلفزيون الجزائري في شتنبر 2017، يسلط هذا الشريط الضوء على جزء مما عاناه الشعب الجزائري في فترة التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ويعرض مقاطع لمجازر بشعة تعرض لها أفراد من الشعب الجزائري، ومن هؤلاء أطفال رضع ونساء وشيوخ عزل وغيرهم.

ولقبت المنطقة، التي كانت عرضة لهذه المجازر وهي ولاية الجزائر وبليدة والأربعاء  باسم “مثلث الموت”، ووقع في هذا المثلث مذابح عديدة، وكانت من أبشع الحملات الدموية التي قامت بها الجماعة الإسلامية المسلحة هي قتل 400 مدني جزائري في بلدة تبعد بـ150 ميلا جنوب غرب الجزائر في 31 ديسمبر 1997، ولم يكن استهداف الجماعة مقتصرا على أهداف مدنية حكومية، أو شخصيات مدنية فقط، بل إنها كانت تستهدف حتى أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ أيضا، ومن ذلك الاغتيال الذي تعرض له في 11 يوليوز من العام نفسه عبد الباقي صحراوي، الناطق الرسمي للجبهة الإسلامية للإنقاذ في باريس.(10)

يقول الأمير الوطني للجيش الإسلامي للإنقاذ، مدني مزراق في لقاء خاص لقناة العربية الفضائية بثته في 18 أكتوبر من العام 2004م متحدثا عن مرحلة العشرية السوداء “الجماعة الإسلامية المسلحة في الحقيقة جمعت شتاتا غير متجانس، فهناك من كان في الهجرة والتكفير، وهناك من كان في الإخوان، وهناك من كان في التيار السلفي الذي لا يؤمن بالتكفير، وهناك من جاء من الخارج من أفغانستان، وطبعا جلب معه المتناقضات الموجودة في أفغانستان، ولم تكن الجماعة الإسلامية تملك من النظام والتنظيم ما يسمح لها أن تضبط هؤلاء الأفراد، في ظل عدم وجود تنظيم وقيادة مركزية موحدة”، وأضاف أن موجة أعمال العنف التي استهدفت مدنيين كالمعلمين والمدرسين والموظفين والإعلاميين والمفكرين والأجانب كانت بحجة أنهم متعاونون مع السلطة، مشيرا إلى أن الجماعة الإسلامية المسلحة برئاسة عنتر الزوابري كانت وراء الكثير من هذه العمليات” (11).

وقد تزايدت حدة هذه العمليات بشكل ملحوظ مباشرة بعد فوز الحزب الجديد الذي شكله ليامين زروال بتاريخ 5 يونيو 1997م بـ156 مقعدا من أصل 380، محققا الأغلبية في البرلمان الجزائري، بحيث كانت هذه العمليات الإجرامية تعتمد أسلوب الذبح بالآلات الحادة عوض القتل بالبنادق والمسدسات وفيما يلي قائمة بهذه المذابح :

  • مذبحة ثاليت في 3 أبريل 1997 في المدية وقتل فيها 52 شخص من مجموع 53 شخصًا من ساكني القرية .
  • مذبحة حوش خميستي في 21 أبريل 1997 وقتل فيها 93 قرويًّا في 3 ساعات.
  • مذبحة دائرة لابقوير في 16 يونيو 1997 وقتل فيها 50 مدنيًّا.
  • مذبحة سي زيروق في 27 يوليو 1997 وقتل فيها حوالي 50 مدنيا.
  • مذبحة قويد الحاد ومزوارة في 3 أغسطس 1997 وقتل فيها ما يقارب 76 مدنيًّا.
  • مذبحة سوهاني في 20 أغسطس 1997 وقتل فيها 64 مدنيًّا.
  • مذبحة بني علي في 26 أغسطس 1997 وقتل فيها ما يقارب 100 مدني.
  • مذبحة ريس في 29 أغسطس 1997 وقتل فيها 400 شخص.
  • مذبحة بني مسوس في 5 سبتمبر 1997 وقتل فيها 87 مدنيًّا.
  • مذبحة جويلب الكبير في 19 سبتمبر 1997 وقتل فيها 53 مدنيًّا.
  • مذبحة بن طلحة في 22 سبتمبر 1997 وقتل فيها 200 قروي.
  • مذبحة سيد العنتري في 23 ديسمبر 1997 وقتل فيها 117 مدنيًّا.
  • مذبحة ولاية غليزان في 30 ديسمبر 1997 وقتل فيها 272 مدنيًّا.
  • مذبحة سيدي حميد في 11 يناير 1998 وقتل فيها 103 مدنيين. –
  • مذبحة قويد بواجة في 26 مارس 1998 وقتل فيها 52 مدنيًّا.
  • مذبحة تاجينا في 8 ديسمبر 1998 وقتل فيها 81 مدنيًّا.

ووجهت أصابع الاتهام بخصوص هذه المجازر، إلى الجماعة الإسلامية المسلحة خاصة بعدما أقرت بمسؤوليتها عن مذبحتي ريس وبن طلحة، تحت مبرر التكفير إذ أن كل جزائري لا يقاتل في صفها كان في نظر شيوخها كافرا، وتحت مبرر كذلك انضمام بعض ساكنة تلك القرى إلى الميليشيات الموالية للجيش الجزائري.

وتبادلت الأطراف المتصارعة سلسلة الاتهامات عن من المسئول عن هذه المذابح؟ حيث ظهرت مجموعة من التفسيرات والتحليلات النظرية، كان أشهرها تلك تقول بأن الحكومة استطاعت التغلغل في صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة، وأن لها دورا في هذه المذابح وإلقاء مسئوليتها على الجماعة، وانتشرت هذه الشائعات بعد هروب أفراد من الجيش ولجوئهم إلى دول أوروبية، حيث صرح هؤلاء لوسائل الإعلام الدولية (12)، أن الجيش كان له يد في بعض هذه المذابح، زد على ذلك أن هناك تقارير حقوقية صدرت عن منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان، تشير إلى أن تلك المذابح وقعت على بعد مئات الأمتار فقط من مقرات الجيش الوطني الجزائري، والذي حسب تلك التقارير لم يقم بأي شيء من أجل إيقاف هذه المجازر.

وتواصلت موجات العنف طيلة سنوات دون انقطاع، رفضت فيها بعض الجماعات الإرهابية دعوات الحوار التي أطلقتها السلطة آنذاك، وبقيت على منهج المجازر والمذابح، إلى أن تطورت لتصبح مجموعات مقاتلة تعتمد منهج الجهاد المسلح، من بينها جماعة الدعوة والقتال والجبهة الإسلامية المسلحة التي تحولت قبل سنوات قليلة إلى “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي”.

 

المرتكزات الفكرية والعقدية لجبهة الإنقاذ

تلخص الجبهة الإسلامية للإنقاذ خطها الفكري في أنها “تسعى إلى إقامة نظام حكم مدني تعددي يرتكز على عقيدة التوحيد ومبدأ الحاكمية لله والسلطة للشعب، وإقامة دولة مستقلة عادلة على أسس الإسلام”، غير أنها عارضت فكرة فصل الدين عن الدولة، معارضة قوية واعتبرت أن الفصل بين الدين والسياسة كالفصل ما بين الروح والجسد، مبينة أن الغاية من كل ذلك هو تحقيق شرع الله.

يقول الشيخ علي بلحاج في هذا الصدد في مقابلة صحفية مع مجلة البيان الصادرة عن المنتدى الإسلامي بلندن في العدد 23 من شهر ديسمبر 1989م “نحن معشر المسلمين لا نقبل أن يفصل الدين عن الدولة حتى تفصل أرواحنا عن أجسادنا”، وأضاف “الفصل بين الدين والسياسة إنما هو فصل الروح عن الجسد، إن المبدأ الذي لا نموت في سبيله ليس صحيحا، فإذا وجدت نفسك تسير في طريق ما، ولم تتعرض لأي شيء من أجل ذلك فهذا يعني أن طريقك غير سليم، ولا بد من إعادة النظر فيه، نحن لسنا طلاب خبز ولا دعاة كراسي ولسنا أصحاب مناصب فنحن دعاة دين إن شاء الله (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) الآية (13)، وأشار “لا حاجة لنا في البرلمان إذا كان هذا الأخير يجعلنا نسكت عن دين الله، وهل سيحاسبنا الله غدا يوم القيامة عن فوزنا أو إخفاقنا في البرلمان ؟ فالبرلمان وسيلة بالنسبة إلينا وليس غاية إنما غايتنا تحقيق شرع الله”.

وفي 7 مارس/آذار 1989م قدمت الجبهة مذكرة إلى الرئيس الشاذلي بن جديد تتضمن مبادئها وبرنامجها السياسي والاجتماعي، وتحوي المذكرة ما يلي:

  • ضرورة التزام رئيس الدولة بتطبيق الشريعة الإسلامية طالما أنه يحكم شعبا مسلماً.
  • استقلال القضاء بغرض الحسبة.
  • إصلاح النظام التعليمي.
  • حماية كرامة المرأة الجزائرية وحقوقها في البيت ومراكز العمل.
  • تحديد مجالات للإصلاح، ووضع جدول زمني لذلك.
  • حل الجمعية الوطنية، والدعوة إلى انتخابات في غضون ثلاثة أشهر.
  • تشكيل هيئة مستقلة؛ لضمان نزاهة الانتخابات المحلية.
  • إعادة الاعتبار لهيئة الرقابة المالية.
  • إعادة النظر في سياسة الأمن.
  • إلغاء الاحتكار الرسمي لوسائل الإعلام.
  • وقف عنف الدولة ضد المطالب الشعبية.
  • حماية المهاجرين الجزائريين وضمان التعليم الإسلامي لهم، وتسهيل شروط عودتهم.
  • التدخل لدى الصين والهند والاتحاد السوفياتي (سابقا) وبلغاريا لوضع حد لاضطهاد المسلمين.
  • وضع خطة لدعم الانتفاضة الفلسطينية ونجدة المجاهدين الأفغان.

وبسطت الجبهة أفكارها ومبادئها في (نداء 12 نونبر/تشرين الثاني 1982م) (14)، الذي وجهه الدكتور عباسي مدني بمعية مجموعة من العلماء، للحكومة وللشعب الجزائري، ويمكن إيجازها فيما يلي:

  • ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والتربوية وغيرها.
  • توفير الحرية للشعب ورفع الظلم والاستبداد.
  • اعتماد الاقتصاد الإسلامي ومنع التعامل بالحرام.
  • إعمال الشريعة في شأن الأسرة ورفض الأسلوب الفرنسي الداعي إلى التحلل.
  • المطالبة بالاستقلال الثقافي، والتنديد بتزوير مفهوم الثقافة.
  • إدانة إفراغ التربية والثقافة من المضمون الإسلامي.
  • شجب استخدام الإعلام من قبل الدولة في مواجهة الصحوة الإسلامية.
  • معاقبة المعتدين على العقيدة وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
  • النهوض بالشعب إلى النموذج الإسلامي القرآني السني.
  • الإشعاع على العقول بأنوار الهداية وإنعاش الضمائر بالغذاء الروحي الذي يزخر به القرآن والسنة، وشحذ الإرادة بالطاقة الإيمانية الفعالة.
  • العمل بالدين القويم لإنقاذ مكاسب الشعب التاريخية وثرواته البشرية والطبيعية دون إضاعة للوقت.
  • العمل على وحدة الصف الإسلامي، والمحافظة على وحدة الأمة.
  • تقديم بديل كامل شامل لجميع المعضلات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، والاجتماعية في نطاق الإسلام.
  • الإنقاذ الشامل.
  • تشجيع روح المبادرة وتوظيف الذكاء والعبقرية وجميع الإرادات الخيرة في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري.

وما قد يعرفه أو لا يعرفه زعماء جبهة الإنقاذ أن هذه المرتكزات الفكرية والعقدية، لا يمكن للمنتظم الدولي أن يقبل بها، إذ ستجد معارضة شديدة ليس فقط من الداخل، ولكن أيضا من الخارج وتحديدا من بلاد العم سام، واعتبرت أنها السبب الذي أدخل الجزائر في قلب موجة تشدد أتت على الأخضر واليابس.

وعلى هذا الأساس، شنت الولايات المتحدة الأمريكية حملة مسعودة ضد كل مظاهر التعصب الديني والأفكار التي تدعو إلى التطرف، ودعت إلى إجراء إصلاحات جذرية في مجموع الدول العربية والإسلامية ليس فقط على مستوى النظم السياسية القائمة، ولكن أيضا على مستوى الحقلين الديني والتربوي التعليمي.

وفي هذا الصدد كشف تقرير خاص من (38 صفحة) كان قد صدر عن مركز الحريات الدينية التابع لمؤسسة “فريدوم هاوس” (15) عن أن “إلقاء نظرة سريعة على نماذج من الكتب الرسمية في الدول العربية والإسلامية للدراسات الإسلامية المستخدمة يكشف أن أيدلوجية الكراهية ضد المسيحيين واليهود لازالت واقعا قائما في النظام التعليمي على الرغم من كل التصريحات والمزاعم حول إزالتها وتعديلها”.

ويحتوي التقرير على تفاصيل واقتباسات كثيرة من مناهج وكتب الدراسات الإسلامية منذ المرحلة الأولى الابتدائية، حيث “تعلم الكتب الطلاب إن العالم ينقسم إلى مؤمنين وكفار وحتى المرحلة الثانوية التي تحتوي أحد نصوص كتبها على أن المسلم مكلف بنشر الإيمان بين الناس بكافة الوسائل بما فيها القتال والجهاد”(16).

المرحلة البوتفليقية.. العودة إلى نقطة الصفر

استلهم عبدالعزيز بوتفليقة، الرئيس الجزائري، الذي جاء إلى السلطة عقب الانتخابات الرئاسية، التي نظمتها الجزائر في 19 أبريل من العام 1999م، فكرة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية من تجارب دولية مماثلة عرفتها بعض دول المنطقة (17) وأيضا دول تنتمي لأمريكا الجنوبية، في محاولة منه لإنهاء حرب العشرية السوداء من خلال منح عفو عن معظم أعمال العنف التي ارتكبت أثناءها، حيث تم بخصوصه إجراء استفتاء عام في 29 شتنبر/ أيلول من العام 2005، حصل بموجبه على موافقة بنسبة 97.36 بالمائة، إذ بلغ عدد الناخبين المؤهلين 79.76 بالمائة، وتم تنفيذ الميثاق، الذي جاء بعد مشروع “الوئام الوطني”، بوصفه قانونا في 28 فبراير من العام الموالي.

وينص ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في مواده على العفو وإجراءات اجتماعية، وكان من بين أهم نتائجه قطع الطريق أمام التدخل الأجنبي والتدويل، وإطلاق سراح العديد من المعتقلين وعودة السلم والأمن والأمان للبلاد.

وقد يختلف هذا الميثاق أو “النموذج الجزائري” عن المنهجية المتبعة في بعض الدول التي شهدت جزءا من المأساة التي عانت منها الجزائر كالاختفاء القسري أو التعذيب أو الأحكام خارج القضاء كما هو الحال في جنوب إفريقيا أو المملكة المغربية، من حيث الأسلوب المتبع في معالجة الأزمة، إلا أنه في العمق يحمل نفس البصمة، لأنه نابع من نفس المعين.

فالنصوص الواردة في الميثاق تحاول أن تكون حيادية بين طرفي النزاع خلال العشرية الدموية التي عرفتها الجزائر، وقد اصطلح على هذه المرحلة “بالمأساة الوطنية” كما كانت تعبيرا عن نية السلطة للسعي في إرساء وتعزيز “التماسك الوطني” باتخاذ بعض التدابير، كالقضاء على ثقافة الإقصاء ويعضد ذلك تأكيد الميثاق على ضرورة “اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على الشخصية والثقافة الوطنيتين وترقيتها من خلال إحياء مآثر التاريخ الوطني والنهوض بالجوانب الدينية والثقافية والإنسانية”، كما أنه سمح بالحفاظ على الوحدة الإقليمية للجزائر واستعادة السلم والاستقرار والشروع في إعادة بناء البلاد، وأصبح بدوره يتخذ كمثال يحتذى به ومصدر إلهام للعديد من الدول التي تريد إيجاد حلول داخلية وتجنب التدخل الخارجي في بلدانها.

أضف إلى ذلك أن هذا الميثاق أفلح في إنقاذ الجزائر من مصير مأساوي، حيث تمكنت البلاد من استعادة السلم والتماسك الاجتماعي، فنداء العفو الذي وجهه الميثاق جعل العديد من أفراد الجماعات الإرهابية يتركون السلاح ويغادرون الجبال ويسلمون أنفسهم، ولازالت العملية متواصلة إلى حدود الآن، حيث تعلن وزارة الدفاع الوطني بين الفينة والأخرى عن تسليم إرهابيين لأنفسهم من الذين ما زالوا محصنين بالجبال بالرغم من وقف القتال، إذ تمكن الميثاق من تقليص آلة الإرهاب المدمرة بنسبة كبيرة وحاصره في رقعة ضيقة جدا، ولم يتبق منه سوى أعداد معدودة، حتى أنه يمكن القول أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة استطاع بواسطة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية أن يعيد لدولة الجزائر أمنها وأمانها واستقرارها بعد سنوات من الركود والرعب والدمار وسفك الدماء.

وصاحبت عملية أجرأت هذا الميثاق، عملية أخرى كانت تقوم بها استعلامات الأمن الوطني الجزائري، ويتعلق الأمر بعملية مسح أمنية شاملة للمساجد والمدارس القرآنية وكليات الشريعة في الجزائر وحتى أئمة المساجد والمصلين وذلك في إطار حملة واسعة لمتابعة نشاط هذه المؤسسات والتجمعات الإسلامية.

وذكر تقرير (18) نشرته صحيفة الخبر الجزائرية أن الأجهزة الأمنية الجزائرية تتابع بشكل دقيق في هذه المرحلة الأنشطة الدينية والدعوية والسياسية للمئات من أنصار التيار السلفي العلمي، وأنصار حركات إسلامية أخرى مثل الصوفية والتدبيرين والدعوة والتبليغ.

ويقول التقرير إن مديرية الأمن الوطني طالبت من أفرعها في الولايات في وقت سابق بإعداد مسح شامل للمساجد والزوايا والمدارس القرآنية، وكليات الشريعة الإسلامية والبحث في هوية مواقع الانترنت الجزائرية المقربة من التيارات الإسلامية، وأكدت البرقية على ضرورة تحديد المستوى العلمي والتكوين الفقهي، وكل ذلك يجري من أجل السيطرة على فلول التطرف والإرهاب ومعرفة المنابع التي يستقون منها أفكارهم ومعلوماتهم وما إلى ذلك.

لقد عرفت الجزائر على عهد بوتفليقة وبمقتضى هذا الميثاق كيف تتجاوز محنتها السوداء وتعطي درسا للعالم والدول التي جعلت من مثل هذه المأساة، سجلا تجاريا، وعرفت كذلك كيف تجفف منابع الإرهاب وتدك حصونه المنيعة وتكشف عن هويته المختبئة وراء عباءة الدين بفضح أفعاله المقيتة التي ألحقت الضرر بالإسلام والمسلمين، ودائما الفضل يعود لذلك الميثاق، التي اعتبر بحق استحقاقا تاريخيا  جعل من تجربة الجزائر الحضارية مقاربة إقليمية وعربية ودولية ذائعة الصيت، يتنادى بها الخصوم والوسطاء أينما حلت الفتنة بالأوطان.

لقد انتقلت الجزائر بفضل هذا الميثاق كما يقول الوزير الجزائري السابق للشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى “من مرحلة المواجهة إلى مرحلة الوقاية من التطرف”، وهذا هو السبب الذي جعله يرفض التوقيع على اتفاقية تقدمت بها منظمة دولية (19) من أجل محاربة التطرف والإرهاب، وقد أدلى بهذا التصريح (20) خلال افتتاحه للموسم الثقافي لقطاع الشؤون الدينية، يوم 28 شتنبر/أيلول 2018، وهو تصريح ينم عن وعي تام بالمرحلة التي تجتازها الجزائر في تعاطيها مع معضلتي التطرف والإرهاب.

وأبرز الوزير بأن التأهب الوطني وبرامج الوقاية من التطرف وتجربة الإرهاب المريرة التي عاشها الجزائريون وتجربة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية حصنت الجزائريين، موضحا بأن التشويش الذي يقع حاليا على الجزائر يخشى أن يؤثر سواء في الشباب الذين لم يعرفوا مرحلة التسعينات، أو الذين لم يشربوا بعد من المرجعية الوطنية التي كانت مشوشة في تلك المرحلة.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها الوزير السابق للشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى عن مرحلة ما بعد مكافحة التطرف والإرهاب، فقد سبق أن أكد قبل عام وتحديدا يوم 6 نونبر/تشرين الثاني 2017 بولاية بسكرة بأن الجزائر نجحت في دحر الإرهاب وانتقلت إلى مرحلة الوقاية من التطرف والتشدد، مبينا في كلمة ألقاها في الجلسة الافتتاحية لفعاليات الملتقى الدولي حول الفاتح عقبة بن نافع الفهري في طبعته السادسة (21) بأن المؤسسة الدينية ممثلة في المساجد والأئمة والوعاظ قد تمكنت برجوعها إلى الفاتحين وباستلهامها العبر والدروس من الإسلام الصحيح من مقاومة ومكافحة التطرف والتشدد الديني.

وفي هذا الصدد، قام الوزير الجزائري بمجموعة من الإجراءات والتدابير منها، مراجعة برامج التربية الإسلامية في الطورين الابتدائي والمتوسط لتحصين المدرسة الجزائرية، وحذف كل المطويات التي تدعو إلى الطائفية من المساجد والسجون، وتوفير الأجواء لانخراط الأئمة والوعاظ في إستراتيجية مكافحة التطرف، وذلك بتنظيم دروس وعظية داخل السجون للرد على الأفكار الغريبة والدخيلة على المجتمع الجزائري، وهي الأفكار نفسها التي كانت سببا في تفشي التطرف والإرهاب.

حديث محمد عيسى عن هذه الإجراءات كان خلال استضافته في برنامج “فوروم الإذاعة الوطنية” (22)، مشيرا بأن مصالح وزارته قامت بتجربة مماثلة مع وزارة العدل لمراجعة محتويات المكتبات المتواجدة داخل السجون، وهي العملية التي سمحت بحذف كل الكتب التي تتنافى مع مبدأي السلام والتسامح وتغذي التطرف والإرهاب.

وقد عبدت هذه السياسة الطريق منذ العام 1999، لاستسلام أزيد من 10 آلاف إرهابي حسبما كشف عنه وزير الشؤون الخارجية الأسبق مراد مدلسي (23) خلال مداخلة له في الاجتماع المنعقد بنيويورك في إطار الجمعية العامة الـ66 لهيئة الأمم المتحدة، موضحا أن “هذه السياسة الطموحة للمصالحة ومحاربة التطرف شهدت نجاحا باهرا وسمحت بعودة عدد مهم من الإرهابيين الذين سلموا أنفسهم إلى المجتمع وتم إدماجهم فيه”.

تصريح الوزير السابق للشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى أعلاه سيجد أسبوعا بعد ذلك صدى له لدى منظمة الأمم المتحدة التي أكدت على الدور “النشط” للجزائر في مكافحة الإرهاب الدولي، مبرزة المبادرات والإجراءات المتخذة من أجل القضاء عن هذه الآفة على المستوىين الوطني والدولي (24).

وأوضح الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش في تقرير حول الإجراءات الهادفة إلى القضاء على الإرهاب الدولي نشر بنيويورك بمناسبة اجتماع حول الوقاية من الإرهاب الدولي من تنظيم اللجنة الأممية السادسة المكلفة بالمسائل القانونية، أن الجزائر قد “ساهمت بشكل نشط في عدد معين من مبادرات مكافحة الإرهاب على المستوى العالمي والإقليمي والثنائي”، مشيرا على وجه الخصوص إلى تلك المبادرات التي تمت مع كل من إسبانيا وروسيا وأندونيسيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية والولايات المتحدة. (25)

وتقر هيئة الأمم المتحدة، أن الجزائر قد صادقت في هذا الإطار، على 19 أداة عالمية لمكافحة الإرهاب، وكذا على الاتفاقية العربية المتعلقة بقمع الإرهاب واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية حول الوقاية ومكافحة الإرهاب واتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي لمحاربة الإرهاب الدولي، كما تقر بأن الجزائر قد كيفت إطارها القانوني لجعله مطابقا للأدوات الدولية السارية، سيما حول مسألة الإرهابيين الأجانب، كما تم تبني إجراء لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك تطبيقا للمعاهدات الدولية ولوائح مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، ووضعت في ذات السياق عدة تدابير تتعلق بتجميد وحجز الودائع، وذلك في إطار المرسوم التنفيذي رقم 15-113 لعام 2015، كما انضمت الجزائر إلى مجموعة “ايغمون” لخلايا الاستعلامات المالية.

موقع الإسلاميين من الحراك الشعبي

ألهبت الجنازة المهيبة للشيخ الدكتور عباسي مدني، الذي وافته المنية بتاريخ 24 أبريل/نيسان 2019م (26)، الحراك الشعبي، الذي أرعب جنرالات النظام الجزائري لولا دخول كوفيد-19 على الخط.

فقد شهد جنازة مؤسس “الفيس” الراحل عباسي مدني، جموعا غفيرة من الجزائريين قدرت بعشرات الآلاف من المشيعين، وهو ما يشير إلى أن الجزائر تعيش مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها “مرحلة ما بعد بوتفليقة”، فقبل انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر في 22 فبراير/شباط من العام 2019، كان مجرد التفكير في موضوع الجبهة الإسلامية للإنقاذ جناية يعاقب عليها القانون، وكان ينظر لها كما لو كانت طابوها سياسيا، لارتباطها بما يسمى في الجزائر بالعشرية السوداء والحمراء.

غير أن الحراك الشعبي، الذي جعل من طرح الفكرة أمرا عاديا، أصر على أن يعيد مرة أخرى الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الواجهة، وهو مؤشر يدل على أن هذا الكيان السياسي ما يزال حيا يرزق، على الرغم من تلكم الضربات المميتة التي تلقاها طوال السنوات الماضية وبصفة خاصة خلال فترة التسعينيات وبداية الألفية الثالثة.

لقد أصيب المناوئون والرافضون لجبهة الإنقاذ، الذين كانوا وراء تحريض قيادات الجيش في بداية العام 1992 للإنقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية، بالصدمة وهم يشاهدون احتشاد عشرات الآلاف من المواطنين لتوديع قائد الجبهة الإسلامية للإنقاذ الشيخ عباسي مدني إلى مثواه الأخير، ما يعني أن معادلة المنع والإقصاء التي انطلقت في آذار (مارس) 1992 تاريخ حل الجبهة لم تعد سارية المفعول، بل إنها ما تزال راسخة لأسباب كثيرة، أقواها هذه الجنازة المليونية المهيبة، التي شهدتها شوارع الجزائر العاصمة المؤدية إلى مقبرة “سيدي محمد”.

لقد ظل شبح جبهة الإنقاذ الإسلامية يطارد ليس فقط أجهزة النظام الحاكم ومن والاها، ولكن أيضا باقي مكونات الإسلام السياسي (27) في الجزائر، التي تخلت عن الجبهة ولم تساندها في محنتها، وقد ظهر ذلك جليا، رغم استمرار سريان قرارات  التضييق والمنع ضد الرجل الثاني في الجبهة الشيخ علي بلحاج، من المشاركة في الملتقيات والمنتديات والتظاهرات والأنشطة السياسية.

فبالنسبة للشيخ عبدالله جاب الله، الذي ارتأى تأسيس جمعية “النهضة للإصلاح الثقافي والاجتماعي” ثم حزب “حركة النهضة الإسلامية”، عوض الاشتغال مع الشيخ عباسي مدني ونائبه علي بلحاج في جبهة الإنقاذ، دخل منذ البداية في صراعات مع أعضاء حزبه، توجت بانسحابه من الحركة ومن الحزب خلال العام 1999م عقب اختلافه مع مجموعته البرلمانية حول رغبته في الترشح في انتخابات الرئاسة التي جرت في العام نفسه، إذ قررت المجموعة البرلمانية مساندة ترشح عبدالعزيز بوتفليقة، وهو الشيء الذي عجل بمغادرته التنظيم والترشح مستقلا، قبل أن يعود وينسحب رفقة باقي المرشحين الآخرين قبل الاقتراع الرئاسي، ثم تولى الحبيب آدمي رئاسة حركة النهضة، وحول الحزب من معارضة النظام الحاكم إلى موالاته، وهو ما أثار سخط المواطنين ونقمهم على الحزب، والدليل على ذلك حصوله على مقعد واحد فقط خلال الانتخابات التشريعية التي جرت خلال العام 2002م، بعد أن كان قد فاز بـ34 مقعدا في انتخابات مماثلة جرت في يونيو/حزيران من العام 1997م.

وخلال الانتخابات التشريعية التي جرت خلال العام 2007م، لم تحصل الحركة سوى على 3 مقاعد فقط بسبب أزمة خلافات حادة ضربت التنظيم من الداخل، وهو ما جعل وزارة الداخلية تنتهز الفرصة وتبعد الشيخ عبدالله جاب الله نهائيا عن رئاستها.

أما بخصوص الشيخ محفوظ نحناح، الذي أرعد وأزبد ضد عزم الشيخ الدكتور عباسي مدني ونائبه الشيخ علي بلحاج، تأسيس حزب سياسي، فإن الأمر أشد، إذ أن هذا الشيخ الذي رفض مند البداية العمل السياسي وفضل أن يركن إلى حركته (حركة المجتمع الإسلامي)، الجناح الجزائري لتنظيم الإخوان المسلمين، التي أسسها في 6 دجنبر/كانون الأول عام 1990م، سيعود ويؤسس بدوره حزبا سياسيا باسم حركة المجتمع الإسلامي في 30 ماي/أيار عام 1991م، مستغلا بوادر أزمة كانت قد بدأت تطفو على السطح بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأجهزة النظام الحاكم.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إنه تطور إلى حد أن محفوظ نحناح اختار الاصطفاف إلى جانب السلطة الحاكمة على حساب الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، تحت مبرر أنه “وقف مع الدولة كي لا تنهار، وليس مع النظام”، وهو المبرر نفسه الذي استند إليه ليعلن مشاركة حركته خلال العام 1994م في ندوة الوفاق الوطني، التي جاءت بالسيد اليامين زروال رئيسا للدولة، ويكون بالتالي هو ثالث رئيس يشغل هذا المنصب بعد الرئيس المستقيل الشاذلي بن جديد.

لقد أثار هذا الموقف الشاذ للشيخ محفوظ نحناح، انتقادات واسعة داخل وخارج التنظيم، نتجت عنها ظهور بوادر خلاف وانشقاقات داخل الحركة، ستظهر للعيان في الانتخابات التشريعية التي أجريت خلال العام 2007م، حيث أبدى 28 عضوا في مجلس الأمة تابعين للحزب، معارضتهم الشديدة لتشكيل ائتلاف حكومي، وهكذا خرج الشيخ عبدالمجيد مناصرة من الحركة، التي سيتغير اسمها إلى “حركة مجتمع السلم” حتى تنسجم مع تعديلات دستورية أجريت في وقت سابق، وكون هو والشيخ مصطفى بلمهدي حزب “جبهة التغيير” في أبريل/ نيسان من العام 2009م، قبل أن ينشق هذا الأخير ثانية ويؤسس حركة البناء الوطني، التي شاركت في الانتخابات التشريعية التي جرت خلال العام 2017م ضمن تحالف الاتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء.

واليوم وبعد استقالة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ودعوة قائد الجيش أحمد قايد صالح لإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، استحسنت تنظيمات الإسلام السياسي الدعوة، واعتبرت أن الشروع في تفعيل المادة 102 من الدستور قبل تقديم المزيد من التدابير والإجراءات السياسية التي ترضي مختلف الأطراف الفاعلة في الساحة الوطنية، قد يرهن إحراز أي تقدم لتجاوز الوضع الراهن، معتبرة استقالة بوتفليقة من ثمار الحراك الشعبي ودعم مختلف الفاعلين في البلاد، إلا أنها اختلفت على مستوى طريقة تدبير وإدارة هذه المرحلة، ففي الوقت الذي اقترحت فيه “حركة الإصلاح الوطني”، التي أصبحت موالية للسلطة الحاكمة بعد الإطاحة بعبدالله جاب الله، الذهاب إلى حوار استعجالي واسع من أجل وضع أرضية توافق واسعة بين الجزائريين، أعلن رئيس حركة مجتمع السلم، عبدالرازق مقري، أن يتم التوافق على شخصية يقبلها الحراك لقيادة المرحلة الانتقالية، وذلك يكون بحوار بين الأحزاب والمؤسسة العسكرية والمجتمع المدني وممثلي الحراك، إلا أنه عاد ليؤكد بأن الشيء الوحيد الذي يستطيع تغيير الأمور هو الحراك، مشددا على ضرورة استمرار هذا الحراك إلى غاية ضمان الانتقال السلس للسلطة بما يحقق مطالب الشعب المعبر عنها في مختلف مسيرات الوطن. (28)

أما رئيس جبهة العدالة والتنمية، عبدالله جاب الله، فقد عبر عن رفضه تسيير الأعمال في المرحلة الانتقالية بالوجوه نفسها التي خرج الشعب ضدها، معتبرا ذلك خيانة للشعب، وأضاف أن الانتخابات المقبلة لا تكون حرة ونزيهة بهؤلاء، وإذا بقي لهم دور فسوف يلتفون على هذا الحراك، وبدا وكأنه يقطر الشمع على بعض الأحزاب الإسلامية التي شاركت في الحكومة في وقت سابق، عندما أكد على ضرورة إبعاد كل من كانت له مساهمة في تسيير شؤون البلد خلال عقدين ماضيين من الزمن، حتى تكون هناك انتخابات نزيهة.

في حين عبر “تجمع أمل الجزائر”، على لسان رئيسه عمار غول عن تأييده للطابع السلمي للمسيرات الحاشدة ودعم مطالبها بإجراء إصلاحات، ودعا إلى الحوار وإلى تنظيم ندوة وطنية لطرح كامل الرؤى فيما يتعلق بالإصلاحات، وقال “إن الفيصل هو الانتخابات وليس اللجوء للشارع ولي الأذرع”، وأضاف أن هناك جهات تسعى إلى استغلال الحراك الشعبي للزج بالبلاد في الموجة الثانية للربيع الدموي”، مبديا رغبته في الترشح في الاستحقاقات الرئاسية المقبلة في حال الإعلان عنها.(29)

وبين هذا الطرف وذاك، من الأطراف المكونة للإسلام السياسي في الجزائر، حصلت بفعل تأثير الجبهة الإسلامية للإنقاذ أولا، وبفعل تموضع كل حزب على حدا من السلطة الحاكمة، تصدعات وانقسامات وانشقاقات، تسربت من خلالها مجموعة من المصطلحات والعبارات الغريبة عن القاموس اللغوي لتنظيمات الإسلام السياسي بكل أنواعه وأشكاله، وبدا واضحا للجميع أن هناك منطلقات ومواقف متباينة بين هذه الأطراف في طريقة تدبير هذه المرحلة العصيبة التي تجتازها الجزائر.


قائمة المراجع 

  • موقع إضاءات بتاريخ 18 أبريل 2019
  • أنظر برنامج إخباري بثه تلفزيون “النهار” بتاريخ 5 أكتوبر 2013، يحمل عنوان “أحداث 5 أكتوبر 1988م انتفاضة أم مؤامرة”، على الرابط الأتي: https://www.youtube.com/watch?v=A47dNrp20M8
  • بوابة الحركات الإسلامية بتاريخ 7 مارس 2019 على الرابط التالي:

https://www.islamist-movements.com/28791

  • المرجع السابق نفسه
  • مجلة البيان العدد 23 دجنبر 1989
  • الجزيرة.نت نونبر 2003
  • صحيفة libération نقلا عن AFP بتاريخ 24 يونيو 1997 وجاء في القصاصة ما يلي:

Deux fils d’Abassi Madani, le président du Front islamique du salut

(FIS), ont été condamnés hier à Düsseldorf (Allemagne) à plus de deux ans de prison pour «appartenance à une organisation criminelle» et pour avoir fourni de faux papiers à des islamistes en Algérie. Ces peines (deux ans et huit mois pour Selim et deux ans et quatre mois pour Ikbal) correspondent au réquisitoire du parquet. Elles couvrent pratiquement la détention préventive effectuée par les deux frères, arrêtés en mars 1995.

  • عقب إلغاء الانتخابات وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقال زعيميها عباسي مدني وعلي بلحاج، ظهرت على سطح الأحداث الملتهبة جماعات مسلحة ذات مرجعية دينية كثيرة، أغلبها صغيرة العدد محدودة التأثير مثل، جيش الرسول محمد، الأوفياء للقسم، جهاد 54، القوات الإسلامية العالمية لمناضلي الله، المجلس الموحد للحركة الإسلامية، حركة الجهاد الإسلامي في إفريقيا، منظمة الضباط المسلمين، إلا أن أبرز هذه التنظيمات المسلحة كان الجماعة الإسلامية المسلحة، وجيش الإنقاذ الإسلامي.
  • شريط وثائقي بعنوان “حتى لا ننسى” أنتجه وبثه التلفزيون الجزائري في شتنبر 2017 أنظر التفاصيل على الرابط الآتي:https://www.youtube.com/watch?v=p3suiXzaDPg
  • هذا الخبر تناقلته وسائل الإعلام الدولية وكتبته صحيفة Le parisien الفرنسية تحت عنوان» « Assassinat de l’imam.. le pistolet a parlé
  • لقاء خاص لقناة العربية الفضائية مع أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ 18 أكتوبر 2004، أنظر الرابط الآتي: https://www.youtube.com/watch?v=cuS0TQA0W3E
  • أنظر في هذا الصدد، تصريح لعميل المخابرات الجزائرية كريم مولاي لقناة “الحوار” في برنامج “بوضوح”، الذي يقدمه الإعلامي صالح الأزرق، على الرابط الآتي: https://www.youtube.com/watch?v=S-4xl884Muw
  • سورة القصص الآية 83
  • هو نداء وجهه مجموعة من العلماء أبرزهم الشيخ أحمد سحنون والشيخ عبداللطيف سلطاني والدكتور عباسي مدني بتاريخ 12 نونبر/تشرين الثاني 1982م إلى الشعب والحكومة الجزائرية.
  • تقرير من 38 صفحة صدر عن مركز الحريات الدينية التابع لمؤسسة “فريدوم هاوس” خلال العام 2006م
  • يمكن في هذا الصدد الاطلاع على المطبوعات المدرسية الخاصة بمادة التربية والدراسات الإسلامية، وهي مطبوعات يشرف أحيا على إعدادها أطر تربوية تنتمي للتنظيمات الإسلامية المرخص لها.

(17) الحديث في هذا الإطار عن تجربة “الإنصاف والمصالحة” في المغرب.

(18) مجلة البيان بتاريخ 24 يونيو 2019

https://elaph.com/Web/Archive/1043963792040829100.html

(19) المنظمة الدولية التي رفض وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى الدخول معها في عقد شراكة لأجل محاربة التطرف، وقعت يومين بعد ذلك مع المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر اتفاقية تعاون تهدف إلى مكافحة الفكر المتطرف والإرهاب، ونبذ خطاب الكراهية والعنف، وتنظيم الفعاليات العلمية، وتشجيع العلماء على نشر قيم الاعتدال والتسامح والحوار، ووقع عن المنظمة الدولية (رابطة العالم الإسلامي) الأمين العام الشيخ الدكتور محمد العيسى، فيما مثل المجلس رئيسه الشيخ بوعبد الله غلام الله.. وتنص الاتفاقية على مد جسور التعاون العلمي والثقافي عبر تبادل الإصدارات والخبرات والمعلومات، والمشاركة في مشروعات الترجمة والبحث العلمي.

(20) صحيفة النصر بتاريخ 30 شتنبر/أيلول 2018 على الرابط:

https://www.annasronline.com/index.php/2014-08-09-10-33-20/2014-08-23-11-15-15/105143-2018-09-29-23-35-25

(21) موقع السلام اليوم بتاريخ 6 نونبر/تشرين الثاني 2017 على الرابط:

https://www.djazairess.com/essalam/65322

(22) صحيفة النصر الإلكترونية بتاريخ 27 نونبر/تشرين الثاني 2017

https://www.annasronline.com/index.php?option=com_content&view=article&id=84496

(23) مجلة الأمة العربية بتاريخ 20 شتنبر/أيولول 2011

(24) الإذاعة الجزائرية بتاريخ 5 أكتوبر 2018 على الرابط:

http://www.radioalgerie.dz/news/ar/article/20181005/151727.html

(25) صحيفة “المصدر” الجزائرية بتاريخ 6 أكتوبر 2018

(26) خبر الوفاة، حسب الموقع الرسمي لقناة France 24، أعلنه المسؤول السابق في الجبهة الإسلامية للإنقاذ الشيخ علي بلحاج، وقال إنه تبلغ بالوفاة من عائلة مدني، وأضاف أنه “توفي في مستشفى الدوحة بعد مرض عضال”، ونقلته عنه وكالة الأنباء الجزائرية، مشيرة إلى أنه كان يعاني من مرض قرحة المعدة وضغط الدم حيث لازم المستشفى لعدة أيام بقطر. (France 24 بتاريخ 24 أبريل 2019).

(27)  دخلت باقي مكونات الإسلام السياسي بعد حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس/ آذار من العام 1992م بقرار من المحكمة الإدارية، وزج بقادتها عباسي مدني وعلي بلحاج وعبدالقادر حشاني في السجون، في مشاحنات ومشاجرات مستمرة، ما جعلها تتعرض إلى انقسامات وانشقاقات متتالية، وأشير في هذا الصدد إلى “حركة مجتمع السلم”، التي أسسها الشيخ محفوظ نحناح، و”حركة النهضة الإسلامية”، التي أنشأها الشيخ عبدالله جاب الله.

(28) أنظر الموقع الرسمي لحركة مجتمع السلم على الرابط التالي:

http://hmsalgeria.net/ar/أخبار/11526-20190325-رؤية-حركة-مجتمع-السلم-للانتقال-السلس

(29) الموقع الرسمي لقناة RT بتاريخ 23 فبراير 2019، على الرابط:

https://arabic.rt.com/middle_east/1003162

بعد ان تناولنا موضوع التنظيمات الإسلامية في الجزائر يمكنك قراءة ايضا

د. مصطفى الزائدي يكتب.. إلى الأمام.. «في الانتخابات والاستقرار»

محمد فتحي الشريف يكتب.. «التخلص من الإخوان = حل أزمة ليبيا»

ويمكنك متابعة منصة العرب 2030 على الفيس بوك

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى