الرئيسيةدراساتسياسية

(التحالف السعودي/ الباكستاني في ظل التصعيد الإيراني: سيناريوهات المشاركة وتداعياتها الإقليمية)

محمود كمال البهنساوي / باحث متخصص في الشأن العربي

أولًا: الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على المملكة العربية السعودية

شهدت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في الفترة الاخيرة استمرار لاتساع نطاق الضربات الإيرانية لتشمل عددًا من الدول العربية التي تستضيف قوات أو منشآت عسكرية أمريكية. وفي هذا السياق، برزت المملكة العربية السعودية كأحد أهم أهداف التصعيد الإيراني بعد فترة من الهدوء النسبي.ووفقًا لتقارير أمريكية عبر رويترز فقد أطلقت إيران صاروخًا باليستيًا باتجاه قاعدة عسكرية أمريكية داخل الأراضي السعودية، في أول استهداف مباشر للمملكة منذ عدة أشهر. وبالتزامن مع ذلك، فعّلت المديرية العامة للدفاع المدني السعودي نظام الإنذار المبكر في محافظتي الخرج وينبع، ودعت المواطنين والمقيمين إلى الالتزام بتعليمات السلامة حتى زوال الخطر، قبل أن تعلن لاحقًا انتهاء حالة التأهب دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن نتائج الهجوم.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن إيران باتت تعتبر الأراضي السعودية جزءًا من مسرح المواجهة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل وجود منشآت وقواعد عسكرية أمريكية داخل المملكة. كما يعكس اختيار الخرج وينبع دلالات استراتيجية واضحة فالخرج تضم منشآت وقواعد عسكرية ذات أهمية، بينما تمثل ينبع أحد أهم مراكز تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر، بما يمنحها قيمة استراتيجية كبيرة في حال تعطل الملاحة في الخليج العربي أو مضيق هرمز.
ولم يكن الاستهداف السعودي معزولًا عن بقية الهجمات الإيرانية، إذ تزامن مع اعتداءات على الكويت والبحرين والأردن، استهدفت بعضها قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت للطاقة والبنية التحتية وذلك وفقا لما اعلن م قبل الحرث الثوري الايراني. ويكشف هذا النمط من العمليات عن محاولة إيرانية لرفع تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتوجيه رسالة إلى الدول التي تستضيف قوات أمريكية بأن استمرار دعم العمليات العسكرية ضد إيران سيجعلها عرضة للاستهداف المباشر.
وعلى الرغم من أن الهجوم لم يسفر عن خسائر كبيرة داخل المملكة، فإن أهميته تكمن في رمزيته السياسية والعسكرية، إذ أعاد السعودية إلى دائرة الاستهداف المباشر، وأكد أن تطورات الحرب الأمريكية الإيرانية قد تنعكس سريعًا على أمن الخليج واستقراره، خاصة إذا استمرت عمليات التصعيد المتبادل بين الطرفين.

ثانيًا: دلائل احتمالية مشاركة السعودية كطرف في الحرب الأمريكية الإيرانية

تشير المعطيات الحالية إلى وجود عدد من المؤشرات التي ترفع من احتمالات انخراط المملكة العربية السعودية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، وإن كانت طبيعة هذا الانخراط ستظل مرتبطة بمستوى التصعيد العسكري خلال المرحلة المقبلة. ويتمثل المؤشر الأول في استهداف إيران للأراضي السعودية بشكل مباشر. فمن الناحية الاستراتيجية، غالبًا ما يؤدي تعرض دولة لهجوم عسكري مباشر إلى زيادة احتمالات اتخاذها إجراءات دفاعية أو هجومية لحماية أمنها القومي، خاصة إذا تكررت تلك الهجمات أو استهدفت منشآت عسكرية أو اقتصادية حيوية.
أما المؤشر الثاني فيرتبط باستضافة المملكة لقوات ومنشآت عسكرية أمريكية. فقد بررت إيران بعض هجماتها بأنها تستهدف مواقع تستخدمها القوات الأمريكية، وهو ما يعني أن استمرار استخدام الأراضي السعودية في دعم العمليات الأمريكية قد يدفع طهران إلى توسيع دائرة الاستهداف، ويضع الرياض أمام خيار تعزيز مشاركتها الدفاعية لحماية تلك المنشآت.
ويتمثل المؤشر الثالث في التصريحات السياسية والأمنية السعودية السابقة التي أكدت أن أمن المملكة يمثل أولوية لا يمكن التهاون معها. وقد شهدت الأشهر الماضية تصريحات رسمية حملت رسائل ردع واضحة تجاه أي تهديد يمس الأمن الوطني أو المنشآت الحيوية، وهو ما يعكس استعدادًا سياسيًا لاتخاذ إجراءات أكثر حسمًا إذا تصاعدت الاعتداءات. كما يبرز العامل الاقتصادي باعتباره أحد أهم دوافع الإنخراط المحتمل؛ إذ تعتمد المملكة بصورة كبيرة على استقرار منشآت النفط والبنية التحتية للطاقة، وأي تهديد مستمر لتلك المنشآت قد يدفعها إلى توسيع نطاق عملياتها الدفاعية، حفاظًا على أمن صادراتها النفطية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويضاف إلى ما سبق العامل التحالفي، حيث ترتبط السعودية بعلاقات دفاعية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل أي تصعيد واسع ضد القوات الأمريكية في الخليج ذا تأثير مباشر على الحسابات الأمنية السعودية، حتى وإن حاولت المملكة تجنب الانخراط المباشر في الحرب.ورغم هذه المؤشرات، فإن احتمالية مشاركة السعودية لا تعني بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية شاملة، بل قد تتخذ أشكالًا مختلفة، مثل تعزيز الدفاع الجوي، وتوفير الدعم اللوجستي، وحماية المنشآت الحيوية، أو المشاركة في عمليات دفاعية محدودة إذا تعرضت الأراضي السعودية لهجمات متكررة. ومن ثم، فإن مسار التصعيد سيظل مرهونًا بحجم الاعتداءات الإيرانية المقبلة، ومدى قدرة الجهود الدبلوماسية والوساطات الإقليمية على منع تحول المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى حرب إقليمية واسعة تشمل دول الخليج.
ثالثاً: التحالف السعودي/ الباكستاني

يمثل التحالف السعودي/ الباكستاني أحد أقدم وأعمق التحالفات العسكرية في العالم الإسلامي، إذ يعود إلى ستينيات القرن الماضي ومرت العلاقات السعودية الباكستانية العسكرية بالعديد من أطر التحالف حيث شارك ضباط وخبراء باكستانيون في تدريب وتأهيل القوات المسلحة السعودية، ثم تطور هذا التعاون ليشمل التدريبات المشتركة، وتبادل الخبرات، والتنسيق الاستخباراتي، وصولًا إلى توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك في سبتمبر 2025، التي نقلت العلاقة من مرحلة التعاون العسكري إلى مستوى الشراكة الأمنية المؤسسية.
وتقوم الاتفاقية على مبدأ الأمن الجماعي، حيث تنص على اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداء على الطرف الآخر، مع الالتزام بتنسيق الردود العسكرية وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة. ويعكس هذا التطور إدراكًا سعوديًا متزايدًا بأن البيئة الأمنية في الخليج أصبحت أكثر تعقيدًا، بما يستلزم تنويع مصادر الحماية وعدم الاعتماد بصورة كاملة على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة بعد تراجع الثقة في قدرة واشنطن على توفير ضمانات أمنية مطلقة عقب أزمات المنطقة الأخيرة.
كما اكتسب التحالف بعدًا عمليًا مع وصول وحدات من القوات الجوية الباكستانية إلى المملكة خلال أبريل الماضي، وهو ما اعتبره عدد من المراقبين أول تطبيق ميداني للاتفاقية الدفاعية، ورسالة بأن التعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على التنسيق السياسي أو التدريبات المشتركة، بل أصبح يتجه نحو جاهزية عملياتية مشتركة، خصوصًا في حماية المنشآت الحيوية وأمن الطاقة وخطوط الملاحة في الخليج.
ولا تنبع أهمية هذا التحالف من العلاقات الثنائية فحسب، بل أيضًا من الوزن العسكري الذي تمثله باكستان، التي تمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة في العالم الإسلامي، بما يقارب 1.7 مليون فرد بين قوات عاملة واحتياط، إلى جانب سلاح جو متطور وقوة بحرية متنامية، فضلًا عن امتلاكها ترسانة نووية ، وهو ما يمنح الشراكة بعدًا ردعيًا تتجاوز آثاره حدود الخليج ليؤثر في توازنات جنوب آسيا والشرق الأوسط.

رابعاً: إلى أي مدى يمكن أن تشارك باكستان إلى جانب السعودية إذا دخلت الحرب؟

رغم أن اتفاقية الدفاع المشترك تفتح الباب قانونيًا أمام دعم باكستان للسعودية في حال تعرضها لعدوان، فإن احتمالات المشاركة الباكستانية في أي مواجهة عسكرية ستظل مرتبطة بحسابات سياسية وإقليمية معقدة، تجعل من غير المرجح أن يكون التدخل تلقائيًا أو مفتوحًا، فمن الناحية القانونية، تمنح الاتفاقية أساسًا لتقديم الدعم العسكري، سواء عبر نشر قوات، أو توفير غطاء جوي، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو حماية المنشآت الحيوية. كما أن وصول قوات جوية باكستانية إلى المملكة خلال عام 2026 يشير إلى وجود بنية عملياتية تسمح بسرعة تنفيذ الالتزامات الدفاعية إذا استدعت الظروف ذلك. إلا أن باكستان في الوقت ذاته تحرص على تجنب الانخراط المباشر في صراعات إقليمية واسعة، لعدة اعتبارات، أبرزها علاقاتها مع إيران، وحدودها المشتركة معها، وحاجتها إلى الحفاظ على الاستقرار في إقليم بلوشستان، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية الداخلية، ورغبتها في الاستمرار بدور الوسيط بين واشنطن وطهران خلال فترات التصعيد. لذلك فإن إسلام آباد ستسعى غالبًا إلى تحقيق توازن بين التزاماتها تجاه السعودية ومصالحها الاستراتيجية مع الأطراف الأخرى.
وفي حال تعرضت السعودية لهجوم مباشر، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تقديم دعم دفاعي محدود ومنظم، يشمل تعزيز الدفاعات الجوية، وإرسال قوات أو أسراب جوية لحماية المنشآت الاستراتيجية، وتوسيع التعاون الاستخباراتي واللوجستي، وربما المشاركة في تأمين الممرات البحرية وإمدادات الطاقة، دون الانخراط في عمليات هجومية واسعة داخل أراضي الخصم.
أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن احتمالات المشاركة الباكستانية ستصبح أكثر تعقيدًا، إذ ستواجه القيادة الباكستانية ضغوطًا داخلية وخارجية لتجنب التورط في حرب قد تؤثر على أمنها القومي وعلاقاتها الإقليمية. لذلك قد تفضل تقديم دعم دفاعي للسعودية مع الاستمرار في لعب دور الوساطة السياسية، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على مصداقية التزاماتها الدفاعية دون خسارة موقعها الدبلوماسي.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن احتمال مشاركة باكستان إلى جانب السعودية يرتفع بشكل كبير إذا تعرضت المملكة لاعتداء مباشر يفعّل اتفاقية الدفاع المشترك، لكنه يظل مرجحًا في إطار الدفاع وحماية الأراضي والمنشآت أكثر من المشاركة في عمليات هجومية أو الانخراط الكامل في حرب أمريكية إيرانية. ويعكس هذا السيناريو طبيعة السياسة الخارجية الباكستانية التي تجمع بين الالتزام بتحالفاتها التقليدية، والسعي إلى تجنب الانزلاق إلى صراعات إقليمية مفتوحة قد تتجاوز مصالحها الوطنية.

خامساً: التداعيات المحتملة على باكستان والسعودية

1: أزمة ثقة باكستانية بين السعودية وإيران
من التعقيدات التي تواجهها باكستان حالياً هي ازمة الثقة اذ تجد باكستان نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد إذا دخلت السعودية الحرب بشكل مباشر. فمن جهة، ترتبط إسلام آباد باتفاقية دفاع استراتيجي مع الرياض، ومن جهة أخرى لعبت خلال الفترة الأخيرة دورًا في تسهيل قنوات التواصل والوساطة بين الولايات المتحدة وإيران. وإذا قررت باكستان الانحياز عسكريًا إلى جانب السعودية، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان ثقة إيران بها كوسيط، ويؤثر سلبًا على العلاقات الثنائية بين البلدين، خاصة في ظل الحدود المشتركة والمصالح الأمنية والاقتصادية المتبادلة. وفي المقابل، إذا امتنعت عن تنفيذ التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية، فقد يثير ذلك تساؤلات داخل الرياض حول مدى موثوقية التحالف الدفاعي، بما قد ينعكس على مستقبل التعاون الاستراتيجي بين البلدين. ومن ثم، ستكون باكستان أمام اختبار صعب للموازنة بين التزاماتها الأمنية ودورها الدبلوماسي.

2: اتساع نطاق الصراع الإقليمي عبر الجبهة الحوثية

من المرجح أن يؤدي انخراط السعودية في الحرب إلى زيادة وتيرة الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي ضد الأراضي السعودية، باعتبارها أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة. وقد تشمل هذه الهجمات استهداف المدن والمنشآت العسكرية والبنية التحتية الاقتصادية، بما يفتح جبهة جنوبية اكثر حدة بالتزامن مع أي مواجهة إقليمية أوسع. كما أن استمرار هذه الضربات قد يدفع السعودية إلى توسيع عملياتها العسكرية في اليمن، الأمر الذي يزيد من احتمالات امتداد الصراع إلى مساحات جغرافية أكبر ويعقد جهود احتواء الأزمة.

3: احتمالات تصاعد التوترات الداخلية

رغم نجاح المملكة خلال السنوات الأخيرة في تعزيز الاستقرار الداخلي، فإن اندلاع حرب مباشرة مع إيران قد يفرض تحديات أمنية إضافية، خاصة في المناطق التي تضم مواطنين من الشيعة، وعلى رأسها المنطقة الشرقية. وقد تحاول إيران أو الجماعات المرتبطة بها استغلال حالة الاستقطاب الإقليمي لإثارة اضطرابات أو تنفيذ عمليات تخريبية أو حملات إعلامية تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو احتمالًا يعتمد على تطورات الحرب ومستوى التصعيد، وليس نتيجة حتمية.

4: التأثير السلبي على قطاع الطيران المدني

قد يؤدي تصاعد الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى زيادة المخاطر التي تواجه المطارات السعودية وحركة الملاحة الجوية. وحتى في حال نجاح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض معظم الهجمات، فإن مجرد استمرار التهديد قد يدفع بعض شركات الطيران إلى تعديل مساراتها أو تعليق بعض الرحلات مؤقتًا، كما قد ترتفع تكاليف التأمين على الرحلات الجوية المتجهة إلى المملكة. ومن شأن ذلك أن يؤثر في حركة السفر والسياحة والأعمال، خاصة إذا طال أمد المواجهات.

5: مخاطر استهداف المنشآت النفطية

يمثل قطاع الطاقة أحد أكثر القطاعات حساسية في أي مواجهة إقليمية، إذ قد تصبح الحقول النفطية أو منشآت المعالجة والتصدير أهدافًا محتملة للهجمات الحوثية أو لأي تصعيد مرتبط بالحرب. وقد سبق أن أظهرت هجمات سابقة على منشآت نفطية سعودية حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه مثل هذه العمليات على الإنتاج وأسواق الطاقة العالمية. وفي حال تكرار هذه الهجمات على نطاق أوسع، فقد تتعرض بعض آبار النفط أو مرافق الإنتاج والتصدير لتعطلات مؤقتة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وزيادة الضغوط على سلاسل إمدادات الطاقة، مع امتداد التأثير إلى الاقتصاديين الإقليمي والدولي.

وفي المجمل، فإن دخول السعودية كطرف مباشر في الحرب لن يقتصر تأثيره على المواجهة العسكرية، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، واختبار تماسك الشراكات الدفاعية، وزيادة الضغوط الأمنية الداخلية، والتأثير على قطاعات حيوية مثل الطيران والطاقة، بما يجعل تكلفة التصعيد أعلى بكثير من حدود ساحة القتال نفسها.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى