
إعداد/ الباحثة ريهام سمير عسران
أولاً: خطورة الأسلحة البيولوجية
إن الأسلحة البيولوجية أسوأ ما أنتجه عقل الإنسان من تقنيات عسكرية، حيث يتم استخدام الميكروبات المرضية لإبادة الإنسان والنبات والحيوان دون رحمة أو رفق، والنجاح العسكري الذي حققته بعض الجيوش في هذا المجال لا ينفي حقيقة اشمئزاز النفس من ذلك، إذ تتعالي الأصوات في المجتمع الدولي حول وقف إنتاج تلك الأسلحة ووقف تخزينها ووقف استخدامها؛ لما تشكله من خطر فادح علي البشرية والبيئة علي حد سواء، فتلك الحرب البيولوجية، اُستخدم فيها ميكروبات وفيروسات وبكتيريا وفطريات أو السموم التي تنتجها، في قتل أفراد العدو أو قتل الحيوانات التي يعتمد عليها أفراد وشعوب هذا العدو أو تدمير نباتات العدو من المحاصيل الزراعية الاقتصادية(1).
وتشتمل الأسلحة البيولوجية علي جزءين “عامل وجهاز إيصال”، وبالإضافة إلي الاستخدام العسكري للأسلحة البيولوجية كأسلحة استراتيجية وكأسلحة في ميدان المعركة، يمكن أيضًا أن يتم استخدام الأسلحة البيولوجية في الاغتيالات (فيكون لها أثر سياسي) وليتم إحداث اضطرابات اجتماعية مثل فرض تدابير الحجر الصحي، وأيضًا في القتل أو إزالة ماشية أو منتجات زراعية من السلسلة الغذائية، مما يترتب عليه حدوث خسائر اقتصادية أو خلق مشاكل بيئية، ويمكن أن يتم استخدام أي كائن حي مسبب للأمراض مثل(البكتيريا أو الفيروسات أو البريونات أو الريكيتسائيات) أو توكسين (السموم المشتقة من النباتات أو الحيوانات أو الكائنات الدقيقة أو المواد المشابهة المنتجة عن طريق التركيب)(2).

عملت العديد من الدول بدرجات متفاوتة علي تطوير سلاح او العديد من الاسلحة الجرثومية بغرض استخدامها كأسلحة دمار شامل ، مستخدمة في ذلك انواع فتاكه من البكتريا والفطريات والفيروسات ، علي سبيل المثال جراثيم (spores) الجمرة الخبيثة (Anthrax) وهي بكتريا ، إذا تركت أثر تتكاثر في مستنبتات غذائية مناسبة فإن خلية واحدة ستعطي جيلا جديدا من الخلايا البكتيرية كل عشرين دقيقه، وبعد مرور عشر ساعات تقريبا من توالي الانقسامات الخلوية في البكتيريا فإن العدد الكلي للخلايا يصبح بليون خلية، بالإضافة إلى ان عددها يصبح رهيبا إذا ما استمر الانقسام في ظروف مثلي لمدة أسبوع واحد فقط.
وتشير الإحصائيات من خلال المسح الشامل للمعامل الأكاديمية التي تختص بمجال الأحياء الدقيقة أن 2% من هذه المعامل تتعامل بمواد بيولوجية (ميكروبية) وسموم تستخدم في تطوير الاسلحة البيولوجية(3)، كمان أن التقدم المذهل الذي شهدته البشرية في مجال الهندسة الوراثية (Genetic Engineering) جعل علماء تطوير استخدام الميكروبات كأسلحة بيولوجية يلجئون إلي وسائل وتقنيات علم الأحياء الجزيئية لهندسة هذه الميكروبات وراثياً والتلاعب في مكونات المورثات (Genes) جعلها أكثر قدرة وفعالية في الاضرار بصحة الإنسان، أي بمعني آخر التوصل إلى ميكروبات ذات خصائص أكثر فتكاً ووباءًا ويمكنها مقاومة المضادات الحيوية المتاحة في الأسواق(4).
ثانيًا: محاولات نزع الأسلحة البيولوجية
يسير العالم في طريقين متوازيين : طريق زيادة التسليح وابتكار الجديد في مجال السلاح بما يجعله اكثر فتكا وتدميرا، طريق السعي لنزع التسلح والحد من الاسلحة، وذلك من خلال الامم المتحدة او من خلال تجمعات إقليمية تنشئ مناطق خالية من أسلحة الدمار الشامل كافة او من إحداها، واهتمت الدوائر القانونية على المستوى الدولي بقضية نزع السلاح منذ عصبة الامم وهي المنظمة الدولية التي خلفتها الامم المتحدة كتنظيم دولي يجمع كافة دول العالم، ولا يعني ذلك ان وعي الانسان بخطورة السلاح وضرورة نزعه مسألة جديدة.
حيث ترجع بعض الكتابات الى عام 600 قبل الميلاد في الاتفاقية التي أبرمت بین حكام الدول الصينية وأطلق عليها اسم (الباتجتس)؛ بهدف نزع أسلحة الدول الصينية، وهو الامر الذي أدى الى سيادة فترة من السلام والاستقرار لمدة قرن كامل وترى معظم الكتابات أن مؤتمر لاهاي لسنه 1899م كان البداية الحقيقية والجادة لحركة نزع السلاح، وكان المنتصرون في الحرب العالمية الثانية هم مؤسسي الأمم المتحدة التي جاء في عهدها أن أعضاء العصبة يقرون بأن حفظ السلام يتطلب تخفيض الأسلحة الوطنية الى أقل مستوى يتفق مع الأمن القومي والتنفيذ الجبري للالتزامات الدولية عن طريق القيام بعمل مشترك، واهتم عهد العصبة بتحريم تجارة الاسلحة واعتبر قيام الاشخاص بصناعة الاسلحة من الشرور الدولية التي يجب على الدول تجنبها(5).
فعندما أدرك المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى (1918م – 1914م) خطورة الأسلحة البيولوجية وصاغ بروتوكول جنيف في عام 1925م، وما يزال يحافظ هذا النص المتعلق “بحظر استعمال الغازات الخانقة والسامة أو ما شابهها والوسائل الجرثومية في الحرب” على أهميته وجدواه، وأودع نص بروتوكول جنيف لعام 1925م لدى فرنسا التي تحفظه في المحفوظات الدبلوماسية لوزارة أوروبا والشئون الخارجية.
حيث ألغت فرنسا في عام 1996م، على غرار جميع الموقعين تقريبًا، التحفظات التي كانت قد أبدتها عند التصديق علي البروتوكول والتي تتعلق بإمكانية استعمال هذه الأسلحة كإجراء انتقامي، وينبثق بروتوكول جينيف عام 1925م عن القانون الإنساني وقانون الحرب أكثر مما ينبثق عن قانون نزع السلاح، وفي الواقع فهو لا ينص علي حظر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية إنما بمنع استعمالها في الحرب(6).
ورغم وضع بروتوكول جنيف إذ أن هناك دول لم توقع عليه مثل إسرائيل والولايات المتحدة التي لم توقع عليه حتي عام 1972م، هناك العديد من الدول التي لم تلتزم به واستخدمته في الحرب العالمية الثانية (1945م- 1939م) التي قامت بسبب النزاع الكبير بين الدول الذي أدي الي انقسام الأطراف المتحاربة إلي دول المحور ودول الوفاق، ومن أشهر الجرائم البيولوجية التي استخدمتها الدول في الحرب دولة اليابان.
حيث كانت تجري أبحاثًا علي إنتاج الأسلحة البيولوجية تحت إشراف كيثانو ميساجي (1945م-1942م) أثناء احتلالها لمنشوريا حتي 1945م واعترف العلماء اليابانيون الذين تم أسرهم بعد الحرب بأنهم استخدموا الأسلحة البيولوجية في اثنا عشر محاولة أثناء هجومهم علي إحدى عشر مدينة صينية وكانت الأنهار والآبار ومصادر المياه والطعام هي الهدف من وراء هذه الهجمات من خلال بكتيريا الأنثراكس، الكوليرا، السالمونيلا، الشيجيلا، وكذلك ميكروب الطاعون(7).
في عام 1941م بدأت الولايات المتحدة بالإشتراك مع كندا وبريطانيا وبعض الدول الاخرى، برنامجًا قوميًا لأبحاث التسليح البيولوجي وإنتاج مثل هذا النوع من الأسلحة، وبالفعل كان عام 1942م هو بداية برنامج التسليح البيولوجي الهجومي في الولايات المتحدة في مدينة كامب ديتريك بولاية ميريلاند، والتي تغير اسمها بعد ذلك في 1956م إلي فورت ديتريك وكان هذا البرنامج يشمل استخدام الأنواع المختلفة من البكتيريا مثل الإنثراكس، والبروسيللا.
وكان من نتائج الحرب العالمية الثانية، نشأة الأمم المتحدة التي تكونت من دول الحلفاء الذي عمل على إنشاء منظمة دولية بديلة لعصبة الأمم من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وتم توزيع السلطات والاختصاصات والصلاحيات على الفروع الرئيسية وهي مجلس الأمن، والجمعية العامة، ومحكمة العدل الدولية(8).
ولإقتناع الجمعية العامة العميق بأن وقف استحداث وانتاج وتخزين العوامل الكيميائية والبكتيريولوجيه (البيولوجية) للأغراض الحربية وازاله تلك العوامل من جميع الأعتدة العسكرية من شأنه تمرير احتمالات السلم والأمن الدوليين، وتحقيق هدف نزع السلاح العام الكامل في ظل مراقبه دولية فعالة ، واذ تدرك ضرورة صيانه بروتوكول حظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة والسامه او ما شابهها والوسائل البكتيريولوجية الموقع في جنيف في 17 يونيه 1925م، من كل انتهاك والسهر على تطبيقه تطبيقا عالميا شاملا ، واذ تدرك اساس الحاجه الى قيام جميع الدول التي لم تنضم بجد الى بروتوكول جينيف بالانضمام إليه(9).
ثالثًا: معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية
في 10 ابريل 1972 م ، فتح باب التوقيع على اتفاقيه الأسلحة البيولوجية وهي أول معاهدة متعددة الاطراف لنزع السلاح، تحظر استحداث وإنتاج وتخزين طائفة بكاملها من أسلحة الدمار الشامل ودخلت هذه الاتفاقية حيز النفاذ في 26 مارس 1975م واتفق مؤتمر الاستعراض الثاني 1986م على وجوب أن تنفذ الدول الاطراف عددًا من تدابير بناء الثقة لمنع او تقليل حدوث أي لبس أو شك اوارتياب.
ولتحسين التعاون الدولي في ميدان الأنشطة البيولوجية السليمة وتوسع مؤتمر الاستعراض الثالث 1991م في تدابير بناء الثقة وبموجب هذه الاتفاقات تعاهدت الدول اطراف بتقديم تقارير سنوية باستخدام الأشكال المتفق عليها، عن انشطه محددة تتعلق باتفاقية الاسلحة البيولوجية ومنها: بيانات عن المراكز والمختبرات البحثية؛ ومعلومات عن مرافق إنتاج اللقاحات؛ ومعلومات عن البرامج الوطنية لبحوث وتطوير الدفاع البيولوجي؛ والإعلان عن الأنشطة السابقة في برامج البحث والتطوير البيولوجية الهجومية و/أو الدفاعية؛ ومعلومات عن انتشار الأمراض المعدية والأحداث المماثلة الناجمة عن السموم؛ ونشر النتائج وتشجيع استخدام المعرفة والاتصالات؛ ومعلومات عن التشريعات والأنظمة وغير ذلك من التدابير(10).
الهوامش:
- جمال عبد العزيز عنان، عبد العزيز بن عبد الله العنيني، وقفات بين الحرب البيولوجية وشبح الجمرة الخبيثة، ط1، (د.م)، 1423ه، (د.ص).
- ميليسا غيليس، نزع السلاح دليل أساسي، ط3، الأمم المتحدة، نيويورك، 2013م، ص48.
- عبد الله بن غدران، عبد المنعم محمد، الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ع4، جامعة الملك خالد حولية كلية المعلمين، أبها، 2004م، ص170.
- المرجع السابق، ص171.
- محمد عثمان، أسلحة الدمار الشامل، ط1، نهضة مصر، القاهرة، 2007م، ص49-50.
- 14) https://www.diplomatie.gouv.fr/ar/politique-etrangere-de-lafrance/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D9%88%D9%86%D8%B2%D8%B9—biologiques
- عبد الهادي مصباح، الأسلحة البيولوجية والكيميائية بين الحرب والمخابرات والإرهاب، تقديم: أسامة البا، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 2000م، ص50.
- حسن نافعة، الأمم المتحدة في نصف قرن، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ،1995م، ص66-68.
- قرار الجمعية العامة رقم 2663 ( الدورة ٢٥) ،1970م.
- https://disarmament.unoda.org/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%84% D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D9%88%D9%84%D9’88%D8%AC%D9%8A%D8%A9



