//atef
رأي

د. أحمد سالم يكتب.. إسرائيل تشن حربًا على الأزهر 

الكاتب مدرس عقيدة وفلسفة في جامعة الأزهر

شن معهد أبحاث ودراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS  هجوما على الأزهر الشريف من خلال تقرير نشره على موقعه الالكتروني.

وتضمن التقرير نقدًا لموقف الأزهر الشريف من دعم القضية الفلسطينية، وأسفه –الأزهر- على سكوت المنظمات والمجتمعات الدولية في الانتهاكات الإنسانية التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في الأحداث الأخيرة منذ السابع من أكتوبر 2023، وجاء التقرير بعنوان: “من الإسلام المعتدل إلى الإسلام الراديكالي؟ الأزهر يقف إلى جانب حماس، كيف تحولت “منارة الاعتدال الديني” إلى داعمة للإرهاب؟”، وقد أعد التقرير باحثان أكاديميان من باحثي المعهد هما  “أوفير وينتر” و”مايكل باراك”.

ويعد معهد دراسات الأمن القومي من أهم المعاهد الأكاديمية المعنية بالأمن الإسرائيلي، ومقره: في تل أبيب، ومهمته: تعزيز الأمن القومي لإسرائيل والمساعدة في تأمين مستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية. معهد دراسات الأمن القومي INSS – شركة ذات منفعة عامة)، وتم تصنيفه أنه مؤسسة بحثية رائدة في إسرائيل، وواحد من خمسين معهدًا رائدًا في العالم في قضايا الأمن والعلاقات الدولية، والمعهد يدير مؤسسة فكرية مستقلة، ويتناول القضايا الاستراتيجية الرئيسة المتعلقة بالشأن الوطني والأمني لإسرائيل.

ويهدف المعهد إلى التثقيف والتأثير والخدمة، كهيئة مستقلة ذات صوت واضح، لصانعي القرار على أعلى المستويات في إسرائيل والخارج، ومن خلال مشاركته العميقة في الخطاب العام وأبحاثه الموجهة نحو السياسات، كما يهدف إلى تحديد الفرص السياسية وتقديم حلول مبتكرة لتحديات الأمن القومي التي تواجه إسرائيل، والمساهمة من خلال باحثيه في الخطاب العام والنقاش الحكومي حول القضايا الاستراتيجية الرئيسة، وتقديم توصيات سياسية لصناع القرار وقادة الرأي في إسرائيل.

وقد ارتكب الباحثان أخطاء منهجية في إعداد التقرير منها:

أولًا: أنهما صدرا تبريرهما لجرائم الحرب التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد المدنيين من الشعب الفلسطيني، بأن ذلك يرجع إلى المذبحة التي ارتكبتها حماس ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر، وكان رد الأزهر إدانة قتل الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ دون وجه حق، وهذا ما نادت به جميع الأديان السماوية، والفطرة السوية.

ثانيًا: أنهما اتهما الأزهر صراحة بأنه داعمٌ للإرهاب، حيث ادَّعيا أنَّ مؤسسة الأزهر في مصر، والتي تعتبر مرجعيَّة دينية سنية عريقة ومؤثرة، وأن هذه المؤسسة التي تصنفها مصر كمنارة “للاعتدال الديني” وحاملة الراية الإيديولوجية للحرب ضد التطرف الإسلامي، انكشفت – بالمعنى الحرفي للكلمة – باعتبارها داعمة للإرهاب. ومع اندلاع الحرب، يقوم الأزهر بحملة تهدف إلى تأجيج العداء لدى الرأي العام العربي الإسلامي ضد إسرائيل ومؤيديها في الغرب. وفي ظل الوضع المتفجر، يجب على إسرائيل ومصر والأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة أن تتحرك بسرعة وحسم لكبح هذا الخطاب الخطير.

وغفل الكاتبان أن الأزهر في خطاباته –التي اعتبراها دعمًا للإرهاب- ثمن جهود السيد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وهو يدعو العالم على أبواب معبر رفح، غير خائف ولا مجامل، إلى ضرورة وقف العدوان على الضعفاء والمستضعفين في غـزة وإلى ضرورة إدخال المساعدات لهم بعدما ارتكبه الكيان الصهيوني من مخالفات للقانون الدولي الإنساني، من قطع لكل وسائل العيش عن شعب فلسطين، ومنعهم من الماء والدواء والغذاء لمدة تجاوزت العشرين يومًا، فهل على تفسير الكاتبين يعد الأمين العام للأمم المتحدة داعمًا للإرهاب أم داعمًا للإنسانية التي تجرد منها الكيان الصهيوني وهو يستهدف المستشفى المعمداني ويستهدف الأطقم الطبية، ومراسلي القنوات التلفزيونية والإعلاميين، ويقطع الكهرباء والانترنت؛ حتى يعيث في قطاع غزة إجرامًا وسفكًا للدماء وفسادًا!

ثالثًا: ادعى الكاتبان أن مؤسسة الأزهر “تستفيد بحسب الدستور المصري من ميزانية الدولة والدعم المالي من دولة الإمارات العربية المتحدة”.

وهذا كذب وافتراء وجهل بالدستور المصري، فالأزهر الشريف يحصل على اعتماداته المالية من ميزانية الدولة المصرية، وهذا ما نص عليه الدستور في المادة السابعة: ” الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساس في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه….”.

كما ذكر التقرير أن فضيلة شيخ الأزهر الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب: “الروح الحية وراء خط المؤسسة الأزهرية المتشدد تجاه إسرائيل، وأنه كثيرًا ما يردد رسالة مفادها أن كل احتلال ينتهي به الأمر إلى الزوال عاجلًا أم آجلًا”، أي إن وجود إسرائيل مؤقت ومحكوم عليه بالانقراض”.

وهذه شهادة تدعو للفخار أن فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر القلب النابض للأزهر الشريف، كما أنها شهادة بأنه من الذين أعلنوا جهارًا بكشف الجرائم التي يرتكبها المحتل الصهيوني ضد المدنيين من الفلسطينيين، وهذا إن حسباه تشددًا فهذا عين الصواب، وعملًا بقوله تعالى: “وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ” لمن استوجب الغلظة لارتكابه البغي والفساد في الأرض.

وورد في التقرير انزعاج الكاتبين من قيام الأزهر بإدانة انتهاكات الكيان الصهيوني، وحثه الشعب الفلسطيني على الصمود.

وهذا ذروة سنام التقرير، ذلك أن الكاتبين ذكرا في تقريرهما انزعاجهما من دعم الأزهر للمقاومة الفلسطينية، واستشهادهما بما نشره فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في رسالته لحث المجتمع الدولي لحماية الفلسطينيين العُزَّل من الجرائم التي يرتكبها المحتل الصهيوني، وقتله المستضعفين من النساء والأطفال بدم بارد، وزعم الكاتبان أن البيانات التي أصدرها الأزهر جاءت مخالفة لما قرره الساسة والمثقفون في حق إسرائيل في الدفاع عن أمنها، والذي تبين زيفه بعدما تبين للعالم الحرب الإعلامية التي استخدمتها إسرائيل لتضليل الرأي العام العالمي، وإسكات أصوات الحق، وحجب منشوراتهم من مواقع التواصل الاجتماعي؛ حتى تتحقق مآرب إسرائيل في تبرير ما ترتكبه من جرائم حرب ضد المدنيين في غزة!

واختتم الكاتبان “أوفير وينتر” و”مايكل باراك” تقريرهما في ضرورة وضع خطة مضادة وإن شئت قل خبيثة؛ لقمع الأزهر الشريف –بحسب زعمهما- والمتمثلة في:

“أولًا: الضغط على النظام المصري لكبح جماح الأزهر.

“يجب على إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية المعتدلة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، أن تطالب الحكومة المصرية – التي تعد المصدر الرئيس للنفوذ والسياسة – بقمع الأزهر”.

وبحسب الكاتبين الصهيونيين أن هذا يستلزم خفض تمويل الأزهر، “حتى تتوقف المؤسسة عن نشر الرسائل المتشددة، وتأجيج التوترات السياسية والدينية وتشجيع نظريات المؤامرة”.

بالإضافة إلى حثِّ الحكومة المصرية على المبادرة بتفتيش البيوت؛ ” لأن شرنقة التطرف الديني قد تثور على صانعها وتعرض النظام للخطر. وقد تتطلب هذه الخطوة تغييرات دستورية في مصر تسمح باستبدال شيخ الأزهر”.

ثانيًا: الإضرار بسمعة الأزهر العالمية.

“يجب على دولة إسرائيل والمنظمات اليهودية وشركائها حول العالم لفت الانتباه الدولي إلى حقيقة أن الأزهر لا يقوم بالدور الذي حددته له مصر في الحرب ضد التطرف الأيديولوجي، والأيديولوجيات المتطرفة، ولكنها تعزز الخطاب المعادي للسامية وتشجع الكراهية وأعمال الإرهاب ضد الإسرائيليين. وما دامت هذه السياسة لم تتغير، فسوف يكون لزامًا على السلطات الإقليمية والدولية أن تتوصل إلى الاستنتاجات اللازمة: إعادة النظر في علاقاتها مع الأزهر وقادته؛ إعادة النظر في قدرته على العمل كشريك موثوق به في الحوار بين الأديان ومكافحة التطرف الديني؛ وزيادة الرقابة على فروعها الدولية”.

ثالثًا: الإضرار بمصادر تمويل الأزهر.

“ينبغي على الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية التي تدعم الأزهر ماليًّا، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، إعادة النظر في المساعدات المقدمة إلى المؤسسة. إن المساعدات الأميركية المقدمة لمصر باسم مساهمتها في الحرب ضد الإرهاب يجب أن تكون مشروطة أيضًا بكبح جماح الأزهر”.

وهذه الاستراتيجية التي وضعها الكاتبان لكبح الأزهر تنم عن تضلعهما بتعاليم الصهيونية، وهي استراتيجية مستمدة من بروتوكولات حكماء صهيون، فهذا ديدنهم ضد المخالف لأغراضهم أو المعارض لسياستهم القبيحة التي يندى لها جبين الإنسانية، وتتحطم على صخرتها مزاعم الغرب في قوانين حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وقوانين الحروب التي تغنوا بها سنين عددًا، وانتهكوا بها سيادة الدول، واستحلوا مقدراتهم، والآن يكيل الغرب بمكيالين فيعمي بصره عن الجرائم التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد الأبرياء من المدنيين الفلسطينيين، وقيامه بشطب عائلات بأكملها من سجلات الأحوال المدنية؛ لتخلد أسماؤهم في سجلات الشهداء.

الأزهر فلسطين

وهكذا يتضح ما ينضح به التقرير من أكاذيب ومزاعم لا تبرر مطلقًا هجوم الكاتبين على الأزهر الشريف، ولن يثني أصوات الحق أن تصدح به، منددة بجرائم الحرب التي ارتكبت ضد المدنيين من الشعب الفلسطيني، كما أنه متبع بالعنصرية الصهيونية، فلم يجرؤ الكاتبان –ولو من باب تصنع الإنصاف- توجيه نقد للجرائم الصارخة التي ارتكبت ضد المدنيين الفلسطينيين وراح ضحيتها 8850 شهيدًا من أغلبهم من النساء والأطفال، ووصل عدد الجرحى أكثر من 22000 من القطاع، و 2100 من الضفة الغربية، وهدم لــ 177781 وحدة سكنية منذ السابع من أكتوبر حتى 1 نوفمبر 2023 ، في أبشع جريمة إنسانية شهدها التاريخ المعاصر، عندما تضع الحرب أوزارها سيجلد المجتمع الإسرائيلي حكومته نقدًا ومطالبة محاكمة من تسبب في هذه الجرائم الإنسانية، وجره البلاد إلى حرب خاسرة، وسيتم محاكمة مجرمي الحرب أمام لجنة (أجرانات) ثانية، مثلما حوكم أسلافهم أمام تلك اللجنة منذ خمسين عامًا بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م.

حفظ الله الأمة الإسلامية قيادة وشعوبًا، وكتب لهم السلم والأمن والأمان، وأبقى الأزهر صادحًا بالحق ما دامت الدنيا، وربط على قلوب  المستضعفين من أهل فلسطين، ونصرهم نصرًا مؤزرا.”

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى