رأي

إشتيوي الجدي يكتب.. 26 أكتوبر… ذكرى يوم الحداد

الكاتب دبلوماسي ليبي سابق

 جريمة النفي الإيطالي وذاكرة وطن لا ينبغي أن تُمحى.

ليس السادس والعشرون من أكتوبر مجرد تاريخ عابر في الذاكرة الليبية، ولا مناسبة تُستدعى ثم تُطوى بانقضاء يومها؛ إنه جرح وطني مفتوح، وشاهد على واحدة من أبشع المآسي التي خلّفها الاستعمار الإيطالي الفاشي في ليبيا. ففي هذا اليوم، تستعيد الذاكرة الوطنية مأساة آلاف الليبيين الذين اقتُلعوا قسرًا من أرضهم، وانتُزعوا من أسرهم وديارهم، وأُرسلوا إلى المنافي والمعتقلات والجزر الإيطالية النائية، ليواجهوا الغربة والحرمان والموت بعيدًا عن تراب وطنهم.
إنها جريمة لا تمحوها السنوات، ولا تُسقطها تقلبات السياسة، ولا يجوز أن تتحول إلى مجرد سطور في كتب التاريخ. فخلف كل اسم من أسماء المنفيين حكاية إنسان انتُزعت منه حريته، وأسرة حُرمت من أحد أبنائها، وبيت ظل ينتظر عودة غائب ربما لم يعد أبدًا. ومن هنا، فإن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو وفاء للضحايا، وصون للذاكرة الوطنية، وتأكيد لحق الليبيين في معرفة تاريخهم كاملًا، بما فيه من مآسٍ وتضحيات.

لقد كان النفي الجماعي أحد أوجه القمع التي مارسها الاحتلال الإيطالي في إطار سعيه إلى إخضاع الشعب الليبي وكسر إرادته، عبر انتزاع الناس من بيئتهم وأرضهم، وتفكيك الروابط الأسرية والاجتماعية، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة والأمان. ولم تقتصر آثار تلك الجريمة على الذين سيقوا إلى المنافي، بل امتدت إلى أسرهم وذويهم، الذين عاشوا ألم الفراق ومرارة الانتظار، وربما رحل اكثرهم دون أن يعرف مصير أحبائه أو يحظى بلقاء أخير معهم.

ولم تكن تلك المأساة مجرد إجراء عسكري أو عقوبة جماعية عابرة، بل تجربة إنسانية قاسية تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الليبية، واستحقت أن تُروى للأجيال جيلًا بعد جيل. فالشعوب التي تعرف تاريخها لا تفعل ذلك بدافع الانتقام، وإنما لحماية الحقيقة من النسيان، وصون كرامة ضحاياها، ومنع تزييف الوقائع أو اختزال المآسي الكبرى في أرقام باردة. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية إحياء ذكرى المنفيين لا تنفصل عن واجب مواصلة البحث في مصائر الضحايا، وتوثيق أسمائهم وشهاداتهم، وحفظ الوثائق والسجلات المتعلقة بهم، وإتاحة الأرشيفات ذات الصلة، فضلًا عن ضرورة التعاون الجاد من الجانب الإيطالي مع المؤسسات الليبية المعنية، بما يساعد على كشف الحقائق، وإنصاف الضحايا، وتمكين العائلات من معرفة ما جرى لذويها. فالحقيقة التاريخية ليست عبئًا ينبغي الهروب منه، بل أساس ضروري لعلاقة تقوم على الاعتراف بالماضي واحترام كرامة الإنسان.

ولأن الأمم التي تنسى مآسيها تُعرّض ذاكرتها الوطنية للضياع، فقد حرصت ليبيا، خلال عهد ثورة الفاتح بقيادة العقيد معمر القذافي، على إحياء هذه الذكرى وإعلان السادس والعشرين من أكتوبر يومًا للحداد الوطني. وشملت مظاهر إحيائها وقف الاتصالات السلكية واللاسلكية الدولية، وتنكيس الأعلام على مقار مؤسسات الدولة، وإقامة الفعاليات الشعبية والتذكارية، وتنظيم المحاضرات وإلقاء الكلمات التي تستعيد فصول المأساة، وتعرّف الأجيال الجديدة بما تعرض له آباؤهم وأجدادهم من نفي وتشريد ومعاناة. وكانت تلك المراسم تعبيرًا عن الاعتراف الرسمي بمأساة وطنية تستحق أن تبقى حاضرة في الوجدان العام، بصرف النظر عن السياق السياسي الذي أُقيمت فيه؛ فالقيمة الحقيقية للمناسبات الوطنية لا تُقاس بالجهة التي تتبناها، ولا بالنظام الذي يحييها، وإنما بما تحمله من معانٍ إنسانية وتاريخية، وبقدرتها على ترسيخ الوعي بالتاريخ وصون حقوق الضحايا.
غير أن المؤسف أن هذه الذكرى تراجع حضورها الرسمي بعد أحداث فبراير 2011، وغابت عنها، بحسب ما شهده المجال العام، مظاهر الإحياء الوطني التي اعتاد الليبيون رؤيتها. وهو تراجع يستحق التوقف عنده، لا من باب تصفية الحسابات السياسية، بل من باب التساؤل عن مصير الذاكرة الوطنية، وعن الأسباب التي جعلت مناسبة بهذا الثقل الإنساني والتاريخي تفقد مكانتها في الاهتمام الرسمي. فهل يعقل أن تتغير مكانة مأساة وطنية بتغير الحكومات والسلطات؟ وهل تصبح تضحيات الأجداد أقل قيمة لأنها ارتبطت بمرحلة سياسية سابقة؟ إن التاريخ الوطني ليس ملكًا لحكومة بعينها، ولا حكرًا على تيار سياسي دون غيره، كما أن آلام الضحايا لا تفقد مشروعيتها بتبدل الأنظمة أو اختلاف المواقف.
ومن ثم، فإن إعادة الاعتبار إلى هذه الذكرى لا تعني تمجيد مرحلة سياسية سابقة، بل تعني إنصاف الضحايا، واحترام التاريخ، والتأكيد على أن ما تعرض له الشعب الليبي من جرائم لا يجوز أن يُمحى من ذاكرته الجماعية. وينبغي أن يكون السادس والعشرون من أكتوبر مناسبة جامعة لكل الليبيين، بعيدًا عن الانقسامات والاستقطابات، لأن تضحيات الأجداد إرث وطني مشترك، والذاكرة التاريخية مسؤولية تتجاوز الحكومات المتعاقبة ومواقفها السياسية.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن الليبيين الذين عانى أجدادهم النفي والتشريد على أيدي قوة استعمارية أجنبية، شهدوا خلال السنوات التي أعقبت احداث 2011 مآسي جديدة من النزوح والتهجير والانقسام وفقدان الأمن. فقد اضطر مواطنون إلى مغادرة مدنهم ومنازلهم، وعاشت أسر ليبية تجربة الاقتلاع من جديد، بينما تعرض آخرون للقتل والاحتجاز التعسفي والانتهاكات في ظل الصراعات المسلحة، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على حماية المواطنين وضمان حقوقهم. وهكذا، وجد الليبيون أنفسهم أمام مآسٍ أعادت إلى الذاكرة صور الفقد والتشريد، وإن اختلفت الظروف والجهات المسؤولة عنها.
ولا يعني استحضار هذه الوقائع مساواة تلقائية بين الاحتلال الأجنبي والصراعات الداخلية، فلكل منهما سياقه التاريخي والسياسي والقانوني، غير أن اختلاف السياقات لا يلغي المبدأ الإنساني الثابت: حرمة الإنسان، وحقه في الحياة والأمن والكرامة، ورفض التهجير القسري والعقاب الجماعي والقتل خارج إطار القانون. فلا يستقيم أن ندين النفي والتشريد حين يرتكبهما مستعمر أجنبي، ثم نتساهل في إدانة الانتهاكات حين تقع على أيدي جماعات مسلحة من أبناء الوطن. كما لا يمكن أن تصبح الجريمة مقبولة بتغيير هوية مرتكبها، أو أن يُمنح الظلم حصانة لأنه يُمارس تحت شعار الثورة أو باسم الوطن أو بدعوى الدفاع عن قضية سياسية.
إن معيار العدالة واحد، والضحايا لا ينبغي أن تُحدَّد قيمة معاناتهم وفق انتماءاتهم أو مواقفهم أو الجهات التي يُحسبون عليها. وكل من تثبت مسؤوليته عن انتهاك حقوق الليبيين أو إهدار دمائهم أو تهجيرهم قسرًا، ينبغي أن يخضع للمساءلة القانونية العادلة، بعيدًا عن الانتقام والتسييس والتمييز. فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تنتقي ضحاياها، والعدالة التي تتجزأ بحسب الهوية والموقف تفقد معناها وتتحول إلى أداة أخرى من أدوات الصراع.
ومن هنا، فإن الوفاء لمن نُفوا إلى الجزر الإيطالية لا يكتمل بمجرد استذكار مأساتهم، بل يقتضي أن نجعل من تلك التجربة درسًا وطنيًا يحول دون تكرارها. فلا معنى لأن نستحضر آلام الماضي إذا عجزنا عن حماية الإنسان في الحاضر، ولا قيمة لذاكرة تندد بجرائم الاستعمار بينما تصمت عن معاناة مواطنين يُحرمون من الأمن والاستقرار والعيش الكريم في وطنهم. إن الذاكرة الحقيقية ليست مجرد استعادة لما حدث، بل وعيٌ بما يجب ألا يتكرر، والتزامٌ بألا يصبح أي ليبي ضحية للتهجير أو الإقصاء أو الاعتداء على كرامته وحقوقه.
ولهذا، ينبغي ألا يظل إحياء السادس والعشرين من أكتوبر رهين قرار حكومي أو مزاج سياسي أو حسابات ظرفية، بل أن يتحول إلى واجب وطني وأخلاقي مستدام، تُترجم فيه مشاعر الوفاء إلى خطوات عملية، تبدأ بإعادة إحياء يوم الحداد الوطني، وتنظيم الفعاليات التذكارية، وتوثيق شهادات الناجين وأسر الضحايا، وحفظ الوثائق والأرشيفات، وإدراج هذه المحطة من تاريخ ليبيا في المناهج التعليمية، حتى تنشأ الأجيال الجديدة وهي تعرف ما عاناه وطنها، وتدرك قيمة الحرية والسيادة وكرامة الإنسان. كما ينبغي أن تكون هذه المناسبة فرصة متجددة للمطالبة بكشف مصير المفقودين، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الليبية والجهات الإيطالية المعنية، والعمل على تثبيت هذه المأساة في الذاكرة التاريخية بما يحفظ حقوق الضحايا ويصون كرامة ذويهم.
إن الذاكرة الوطنية ليست ترفًا، ولا عبئًا من الماضي، ولا ملكًا للسلطات المتعاقبة؛ إنها جزء من هوية الشعب، ومرآة لتاريخه، وأحد الشروط الضرورية لبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا. والأوطان التي تنصف ضحاياها وتواجه تاريخها بشجاعة تكون أقدر على حماية حاضرها، أما التي تسمح بانتقاء الذاكرة أو محو بعض فصولها لأسباب سياسية، فإنها تفتح الباب أمام تكرار الأخطاء والمآسي. ومن هنا، فإن استعادة هذه الذكرى ليست مجرد وفاء للماضي، بل موقف من الحاضر ورسالة إلى المستقبل، تؤكد أن كرامة الليبيين ليست قابلة للمساومة، وأن حقهم في وطن آمن ومستقر لا يجوز أن يكون موضوعًا للمساومات أو الصراعات.

في السادس والعشرين من أكتوبر، لا نستحضر المنفيين لنحاصر أنفسنا في أحزان الماضي، بل لنؤكد أن الوطن الذي يكرّم ضحايا الأمس لا يجوز أن يصمت عن ضحايا اليوم، وأن السيادة التي ننشدها لا تكتمل إلا بصون كرامة المواطن وحماية حقوقه، أيًّا كان انتماؤه أو موقفه. إن هذا اليوم يجب أن يعود مناسبة للوفاء والحداد الوطني، لا بوصفه ذكرى لمرحلة سياسية بعينها، بل باعتباره يومًا من أيام ليبيا التي لا ينبغي أن تنسى أبناءها، ولا أن تتخلى عن حقهم في الحقيقة والإنصاف.

الرحمة لضحايا النفي والاستعمار، والوفاء لكل من دفع حياته أو حريته ثمنًا لكرامة الوطن. والعبرة لكل من يظن أن تغيير الرايات أو الشعارات يمكن أن يمنح الظلم شرعية أو يعفي مرتكبيه من المساءلة.
لنحفظ الذاكرة، ولننصف الضحايا، ولنصن كرامة الإنسان الليبي؛ فالوطن الذي ينسى مآسي ماضيه، أو يتسامح مع تكرارها في حاضره، يعرّض مستقبله للخطر.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى