رأي

هديل فتحي تكتب.. أطفال غزة بين الحرمان والفقد

غزة.. ليست مجرد بقعة جغرافية على الخارطة، إنها ندبة عميقة في ضمير العالم، حيث تتكسر أحلام الصغار على صخرة واقع قاسٍ ومستمر،  أطفال غزة، الذين لم يعرفوا من الطفولة إلا رائحة البارود وصوت الانفجارات، يقفون اليوم على مفترق طرق مظلمة، يحدقون في مستقبل سرقته يد الحرب والحصار، مستقبل يبدو فيه حق الحياة الطبيعية حلماً بعيد المنال، إنهم ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هم جيل كامل يُنذر ضياعه بكارثة لا يمكن تداركها.

جريمة “التعليم المفقود”: جيل في مواجهة الأمية

في قطاع غزة، تحوّلت المدارس من منارات للعلم إلى أطلال متناثرة أو مراكز إيواء مكتظة بالبشر، فُقدت فيها فصول الدراسة والسبورات والمعلّمون. التعليم، الذي هو شريان الحياة لكل مستقبل واعد، أصبح رفاهية مهدّدة. كيف يمكن لطفل أن يتلقى علماً وهو ينام في خيمة؟ كيف يمكنه أن يركّز على معادلة رياضية أو قاعدة نحوية، وقلبه يرتجف خوفاً من قصف وشيك؟

لقد سُلب من مئات الآلاف من التلاميذ حقهم الأساسي في التعليم، ليس ليوم أو يومين، بل لسنوات تتراكم، لتخلق فجوة تعليمية هائلة. مبادرات “التعليم عن بعد” تصطدم بانقطاع الكهرباء وشح الإنترنت. النتيجة صادمة: جيل يواجه خطر التسرّب الكلي من التعليم وتفشي الأمية، جيل يُجبر على حمل عبء الكبار في سن مبكرة، يبحث عن الماء أو الحطب بدلاً من البحث عن المعرفة. إن ضياع تعليمهم هو ضياع لمستقبلهم ومستقبل المجتمع كله.

صحة تحت الأنقاض: جسد يعاني وروح تنزف

الحرمان من التعليم لا يقف وحيداً، بل يتشابك مع مأساة الخدمات الصحية المنهارة. في غزة، لا يواجه الأطفال شبح المرض فحسب، بل يواجهون انهيار المنظومة القادرة على علاجهم. المستشفيات التي لم تدمّر تحوّلت إلى ملاجئ مكتظة، تعاني من نقص فادح في الأدوية والمستلزمات الأساسية، حتى أبسطها.

سوء التغذية والجفاف أصبحا وحشين ينهشان أجساد الصغار، خاصة الرضع. أمراض الجهاز التنفسي والأوبئة تنتشر كالعدوى في مراكز الإيواء المزدحمة مع انعدام شروط النظافة وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي. الأسوأ من ذلك، هو أن الآلاف من الأطفال الذين تعرّضوا لإصابات بالغة أو بتر للأطراف، يواجهون العلاج دون تخدير كافٍ، أو حتى يُحرمون من أبسط عمليات إعادة التأهيل.

وإذا كانت الجروح الجسدية مرئية، فإن الجروح النفسية أعمق وأكثر فتكاً. هؤلاء الأطفال عاشوا صدمات متتالية، فقدوا الأهل والأصدقاء والمنزل. لقد تحوّلت طفولتهم إلى كابوس مستمر، حيث تظهر عليهم أعراض القلق الشديد، التبول اللاإرادي، والسلوك العدواني، وربما ما هو أخطر: شعورهم بأنهم “أطفال لن يكبروا”، كما عبّر أحدهم ببراءة قاسية. إنهم بحاجة ماسة إلى دعم نفسي اجتماعي مكثف ومستمر، دعم يغيب في ظل الأولوية القصوى للبقاء على قيد الحياة.

مستقبل معقود بخيط الأمل

بين أنقاض الحاضر، يبقى السؤال الأهم: ما هو مستقبل هؤلاء الأطفال؟ هل سنترك جيلاً كاملاً يترعرع في بيئة لا توفر له سوى الصدمة والحرمان؟

مستقبلهم لا يمكن أن يبنى إلا على إنهاء شامل ومستدام للحرب والحصار. يتطلب الأمر جهداً دولياً يتجاوز مجرد إيصال المساعدات الإغاثية، ليتحول إلى خطة طموحة لإنقاذ الجيل:

  1. إعادة بناء المؤسسات التعليمية فوراً وتوفير الدعم المادي والمعنوي للمعلمين والطلاب لتعويض ما فاتهم.
  2. تأهيل المنظومة الصحية وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية المتخصصة على المدى الطويل لمداواة الجراح غير المرئية.
  3. توفير بيئة آمنة ومستقرة، خالية من الخوف والعوز، تمكّن الطفل من ممارسة حقه الطبيعي في اللعب والأمان والنمو.

إن أطفال غزة هم زهور في حقل ألغام، ورغم كل شيء، فإن شرارة الأمل لم تنطفئ في عيونهم. إنهم يحلمون بالعودة إلى المدرسة، ويحلمون باللعب، ويحلمون بغدٍ لا يضطرون فيه للبحث عن الماء بدلاً من القراءة. واجبنا الإنساني والأخلاقي، نحن جميعاً، هو أن ننتزع هذه الزهور من حقل الألغام، وأن نرسم لهم مستقبلاً يليق ببراءتهم وكرامتهم. إن إنقاذ مستقبل أطفال غزة هو إنقاذ لضمير الإنسانية كله.

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى