أحمد شعبان محمد يكتب: إلى من يلجأ دعاة التجديد؟ من موسوعة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي
كاتب المقال : عضو الأمانة العامة لمؤسسة رسالة السلام العالمية

من الأعاجيب التي نعيشها أن تتكرر الدعوات إلى نبذ الفرقة والاختلاف، بينما تبقى أسباب التمزق قائمة، وتظل المذهبية حاكمة لفهم المسلمين، ويجد دعاة التجديد أبوابًا مغلقة حين يطرحون رؤاهم للنقاش.
إن ذم الفرقة لا يكفي؛ فالموقف يُقاس بما يقدمه لتجاوزها. وحين تدعو المؤسسة الدينية إلى وحدة المسلمين، يصبح من مسؤوليتها أن تراجع ما يكرّس انقسامهم، وأن تفتح المجال لفحص الموروث على ضوء القرآن الكريم ومقاصده العليا في الرحمة والعدل والسلام.
ومن هنا يأتي السؤال الموجّه إلى شيخ الأزهر وإلى المؤسسات المعنية بالإصلاح: أين يجد دعاة التجديد مساحة تُسمع فيها رؤاهم، وتُناقش حججهم، ويُجاب عن أسئلتهم؟ وكيف تتحول الدعوة إلى الإصلاح من كلمات تتكرر إلى عمل يلمس الناس أثره؟
التجديد مسؤولية تقتضي إحياء حضور القرآن في الوعي والسلوك، وتحرير العقول من الجمود، ومراجعة أفهام البشر التي اكتسبت بمرور الزمن حصانة تحجبها عن النقد. فالوفاء لكتاب الله يوجب أن نزن به ما ورثناه، وأن نصوّب ما يخالف هديه، مهما طال الاعتياد عليه.
أما الحفاظ على اجتماع الناس، فلا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء الخطأ. وموقف هارون حين عبد قومه العجل لا يصح اتخاذه سندًا لقبول الباطل؛ فقد أعلن لهم بوضوح:
«يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي»
[طه: ٩٠].
لقد جمع بين التحذير من الانحراف والحرص على قومه، ولم يجعل وحدتهم مبررًا لإقرار عبادة العجل. فالحرص على الجماعة يقتضي العمل على تصويب مسارها، حتى يكون اجتماعها قائمًا على الحق.
ويؤكد القرآن أن التعاون يُقاس بالغاية التي يجتمع الناس عليها، فيقول:
«وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»
[المائدة: ٢].
فليست كل وحدة محمودة؛ إنما تُحمد حين تجمع الجهود على الخير والإصلاح. أما التكاتف لحماية الخطأ أو تعطيل تصويبه، فيخالف هذا التوجيه القرآني، مهما رُفعت لتبريره شعارات الحفاظ على الجماعة. ومن واجبنا أن نسأل: على ماذا نجتمع؟ وما أثر اجتماعنا في حياة الناس؟
وهذا هو التحدي أمام مؤسساتنا: أن تجمع الناس على قيم القرآن، وأن تجعل الحوار سبيلًا إلى تصويب الفهم. أما صيانة الوحدة داخل كل مذهب، مع استمرار الانقسام بين المسلمين، فإنها تبقي المشكلة قائمة مهما ارتفعت أصوات التحذير منها.
ولا يجوز أن يصبح غياب الرؤية لدى جهة ما حكمًا بغيابها لدى الجميع. فوجود رؤى إصلاحية يفرض الاستماع إليها وفحصها؛ فما كان منها صائبًا أُخذ به، وما كان خطأ بُيّن وجه الخطأ فيه. وحق صاحب الرؤية أن يجد ردًّا على حجته، وأن يُقدَّر جهده بقدر ما يقدمه من معرفة ونفع.
إننا نحتاج إلى شجاعة المراجعة، وإلى إدراك أن مكانة المؤسسة تقوى بقدرتها على التصويب والاستفادة من العقول المخلصة. وكل باب يُفتح للحوار المسؤول يمنح الأمة فرصة لتجاوز جمودها، وكل رؤية تُناقش بإنصاف تجعل الإصلاح أقرب إلى التحقق.
ومن كرم الله علينا أن جاءت مؤسسة رسالة السلام العالمية، فكرّست طاقاتها لمعالجة الخلل الذي بقي دون إصلاح لدى المؤسسات المعنية، وفتحت أمام دعاة التجديد مجالًا لعرض رؤاهم والإسهام في بناء الوعي. ومن خلال ما يقدمه المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي من دعوة إلى الاحتكام للقرآن، جعلت المؤسسة الرحمة والعدل والسلام أساسًا لرسالتها في إصلاح الإنسان والمجتمع.
وهذا السعي يجسّد التعاون على البر والتقوى؛ إذ يجمع الطاقات حول غاية إنسانية مشتركة، ويمنح كل جهد مخلص فرصة للإسهام في نشر الوعي ومقاومة الفرقة، وإيصال رسالة القرآن إلى ربوع العالم.
وتستمد المؤسسة قوتها من وضوح حجتها، وإخلاص العاملين فيها، واستمرار عملها. فحين تقترن الكلمة بالفعل، ويتسع أثرها بين الناس، تفرض حضورها وتضع المؤسسات المعنية أمام مسؤولية الاستماع إليها ومناقشة ما تطرحه.
وهنا يجد سؤال «إلى من يلجأ دعاة التجديد؟» بابًا للإجابة؛ فقد أصبح أمامهم مجال يجمع جهودهم، ويتيح لرؤاهم أن تُعرض وتُناقش وتصل إلى الناس. وتبقى مسؤوليتنا أن نحسن الإسهام في هذا المسعى، وأن نحول ما نحمله من أفكار إلى عمل ينفع الإنسان ويعالج أسباب الفرقة.
فالإصلاح يحتاج إلى من يسمع، ومن يراجع، ومن يعمل؛ ووحدة الأمة تبدأ حين تصبح مرجعية القرآن حاضرة في سلوكها وعلاقاتها، وحين تتعاون طاقاتها على الخير، ويكون اجتماعها نصرةً للحق وإقامةً للعدل ونشرًا للسلام.
«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»
[آل عمران: ١٠٣].



