الرئيسيةدراساتسياسية

أثر أزمة الديون على العلاقات الصينية الأفريقية «دراسة»


أثر أزمة الديون على العلاقات الصينية الأفريقية «دراسة»

إعداد- الباحث عبد الغني دياب 

تمثل جمهورية الصين الشعبية، أحد أبرز الفاعلين في المشهد الأفريقي، لكنها على عكس غيرها من المنافسين تفضل بكين استخدام قوتها الناعمة لتحقيق مصالحها العليا في أفريقيا، وتبتعد بشكل كبير عن استخدام الأدوات الصلبة لفرض تواجدها في الدول الأفريقية.

تزعم الصين في روايتها الرسمية أنها تهدف إلى إقامة مصالح مشتركة مع الأفارقة، وأنه ليس لديه أية أهداف توسعية، وهو عكس ما يحدث على الأرض، خصوصا مع بزوغ أزمة الديون الصينية التي تتفاقم بشكل كبير على الدول الأفريقية، حتى أن كثير من ممتلكات الدول الأفريقية صارت مهددة بالاستحواذ عليها من قبل بكين، وفق كثير من الخبراء.

هذه الورقة البحثية  تستعرض أثر الديون الصينية على العلاقات السياسية والاقتصادية بين بكين ودول القاهرة، وتستهدف بشكل أولى الدول المدينة لجمهورية الصين، بالإضافة إلى التوجهات الصينية الجديدة في أفريقيا، مع تتبع لتاريخ العلاقات الصينية الأفريقية.

تفترض الورقة البحثية أن العلاقات الصينية الأفريقية تأثرت إلى حد ما بقضية الديون، وهو ما سنعمل على إثبات صحته من عدمه خلال السطور المقبلة.

و تعتمد الدراسة على مفاهيم مثل  الأزمة، والعلاقات الدولية، بالإضافة لمفهوم الأثر.

 العلاقات الصينية الأفريقية لمحة تاريخية

لا يوجد تحديد دقيق لتاريخ العلاقات الصينية الأفريقية، كونها قديمة بقدم التاريخ، لكن في مرحلة الصين الشيوعية التي تأسست عام  1949 كانت العلاقات محدود في البداية لحين عقد مؤتمر باندونج في إندونيسيا عام 1955، ليُمثّل علامة فارقة في علاقات الصين الخارجية، لا سيما مع البلدان النامية، حيث بدأت بكين رسم طريق خاص بها في علاقاتها الخارجية، وبخاصة  في أفريقيا.

ساعدت الصين في منتصف القرن الماضي الدول الأفريقية  للتحرر من قبضة الاستعمار، ودعمت حركات التحرر المختلفة خصوصا أصحاب التوجهات اليسارية، وجنت بكين نظير ذلك مبكرا في عام 1971، عندما دعمت قرابة 30 دولة أفريقية في الأمم المتحدة عودة الصين إلى الهيئة الدولية، لكن مع دخول مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، تراجعت العلاقات بعدما أهملت الصين القارة السمراء، وأدارت وجهها نحو الغرب في عملية انفتاحها على العالم الخارجي، بهدف الاستفادة من التقدم التقني والتكنولوجي الذي حققه العالم الرأسمالي. (1)

 

عطفا على ذلك يمكن القول إن الصين حاليا بحاجة إلى الأفارقة، لدعم مواقفها داخل المؤسسات الدولية، خصوصا في ظل تنامي الخلاف الصيني الأمريكي، والذي وصل لمرحلة صراع اقتصادي، خصوصا في عصر الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب،  الذي فرض عقوبات باهظة على الشركات الصينية، وهو ما ردت الصين بمثله على المنتجات الأمريكية.

وإضافة لذلك ينتقد الغرب والولايات المتحدة الأمريكية الموقف الصيني من حقوق الإنسان، وهو ما يعزز حاجة الصين للدعم الأفريقي.

وتسعى بيكين لفرض نظام دولي متعدد الأقطاب،  من خلال كسرالهيمنة الأمريكية على المخرجات الإستراتيجية للنظام الدولي، وهو ما يحتاج لموقف دولي أكثر قوة من ذي قبل، لذا تحاول الصين  فرض نفسها كقوة إقليمية و عالمية بارزة. (2)

وفي الجانب الآخر تلعب الصين على حاجيات السوق الأفريقية لمنتجاتها الرخيصة والأكثر مناسب لأوضاع عموم الأفارقة.

وتقول الأرقام  الصادرة عن وزارة التجارة الصينية إن واردات الصين من الدول الأفريقية بلغت 95.5 مليار دولار عام 2019، بينما سجلت قيمة التجارة بين الصين والدول الأفريقية 208.7 مليار دولار أمريكي في العام نفسه، وبلغ حجم الاستثمارات الصينية في مختلف القطاعات بالدول الأفريقية 3 مليارات دولار في 2019.

كما وقعت الشركات الصينية عقودا بقيمة 55.9 مليار دولار، وأنجزت أعمالا بقيمة 46 مليار دولار.(3)

التواجد الصيني في أفريقيا

تحرص الصين على التقارب الاقتصادي والدبلوماسي مع الأفارقة عن طريق عقد المؤتمرا الدورية مع الأفارقة، والتي كان أهمها ما احتضنته بكين في مطلع سبتمبر 2018، المنتدى الاقتصادي الصيني الأفريقي السابع (فوكاك)  والذي حضره 53 زعيما أفريقيا بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، بالعاصمة بكين.

وقتها قال الرئيس الصيني شي جينبينج، إن بلاده تقف على أهبة الاستعداد لتعزيز التعاون الشامل مع الدول الأفريقية لبناء طريق للتنمية عالية الجودة، تناسب الظروف الوطنية والشاملة والمفيدة للجميع”.

وأضاف:” إن الصين لا تفرض شروطا سياسية ولا تسعى وراء أية استفادة أو ميزة خاصة من تعاونها مع أفريقيا.”، مؤكدا في الوقت نفسه أن الصين “ستقوم بجهود حثيثة وستبذل قصارى الجهود طالما تؤمن بأن ذلك يعود بالنفع على الدول الأفريقية ومواطنيها”. (4)

وبلغة الأرقام فإن الشركات الصينية العاملة في أفريقيا بلغ عددها ما بين 1000 و2500 شركة صينية، حيث تنشط الصين في مشروعات البنية التحتية، والإنشاءات، وتشييد السدود، بالإضافة إلى  تمويل مشروعات في الدول الأفريقية، أو نقل بعض التكنولوجيات الحيوية إليها بغرض الحفاظ نفوذها في القارة السمراء.

ومن المتوقع أن يصل حجم  الأرباح المالية التي تجنيها الصين من أفريقيا في حلول 2025 إلى 440 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 144 بالمائة.  وتعد جنوب أفريقيا وأثيوبيا من بين الدول التي تتصدر الطليعة فيما يتعلق بالاستثمارات الصينية، بينما تحتل زامبيا وأنغولا ذيل الترتيب.

وأمام هذا الغزو الصيني المنظم ترتفع الأصوات المحذرة من خطورة التوغل الصيني على الثروات الطبيعية التقليدية في أفريقيا خصوصا بعد شراء بكين لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية،  بهدف استثمارها لإطعام سكانها الذين سيتجاوزون 1,5 مليار شخص بحلول عام 2025. (5)

  الصين تنشر ثقافتها في أفريقيا 

بالإضافة إلى التوغل الاقتصادي الضخم، تعمل بكين أيضا على توطيد قوتها الناعمة في أفريقيا من خلال بناء مراكز ثقافية عديدة لتعليم اللغة والثقافة الصينتين في حين بدأ الكثير من الصينيين في الإقدام على الزواج من نساء أفريقيات. والمثل الأكثر تداولا هو الزواج بين جزائريات وصينيات إذ أصبحت أحياء عديدة في الجزائر مكتظة بالصينيين الذين يعيشون طقوسهم الثقافية والدينية بشكل حر. (6)

أزمة الديون الصينية 

مع بداية جائحة فيروس كورونا المستجد والتي كان مصدرها الأول الصين، بدأت مشكلة الديون تتفاقم  على المستوى العالمي، وذلك بسبب تدهور الاقتصاد العالمي إلى حد كبير جراء الجائحة، لكن واقعها على أفريقيا كان أكبر بكثير بسبب هشاشة الاقتصادات الأفريقية، وتوقف حركة التجارة العالمية، وتدهور أسعار المواد الخام، ما جعل كثير من الدول الأفريقية تقف عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها للدول الدائنة، والتي تأتي في مقدمتها الصين.

هذه الأزمة جعلت رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يعرب عن أسفه في إبريل2021 قائلا إن القادة اضطروا إلى الاختيار بين “الاستمرار في الدفع نحو الديون أو إعادة توجيه الموارد لإنقاذ الأرواح أو سبل العيش.

عندما يختار القادة الأفارقة توجيه أموال الديون فإنهم غالبا سيتعاملون بشكل مباشر مع الصين التي تمتلك حوالي 70% من الديون الأفريقية.

دبلوماسية الديون

ووفقا لما يقوله صندوق النقد الدولي فإن أكثر من 20 دولة أفريقية معرضة لخطر كبير من ضائقة الديون أو في ضائقة ديون بالفعل، وزادت الوضع تفاقما مع جائحة “كوفيد-19″، إذ بلغت التزامات القروض الصينية لأفريقيا ذروتها في عام 2016 عند 29.5 مليار دولار، لكنها انخفضت إلى 7.6 مليار دولار في 2019. وهي أحدث البيانات المتاحة، وفقاً لقاعدة بيانات القروض الصينية لأفريقيا، التي جمعها باحثون في جامعة “جونز هوبكنز”. (7)

حاولت الصين توظيف أزمة كورونا والديون، لخدمة توجهاتها في القارة إذ أعلن بنك التصدير والاستيراد الصيني عن مشاركتها في مبادرة تعليق سداد أقساط الديون التي أطلقتها مجموعة العشرين، في قمتها التي عقدت عام 2020،  والتي بموجبها تستطيع 31 دولة من أفقر بلدان العالم أن تطلب مهلة مؤقتة لسداد الديون الثنائية، حيث تملك الصين حوالي 62% من الديون الثنائية الأفريقية. (8)

وتشير الأرقام إلى أن 31 دولة في أفريقيا تقدمت  بطلبات لتعليق سداد أقساط الديون، وهو ما من شأنه أن يوفر لأثيوبيا  على سبيل المثال، 1.7 مليار دولار خلال الفترة من إبريل 2020 وحتى نهاية العام نفسه، ونحو 3.5 مليار دولار إذا جرى تمديده إلى نهاية 2022.

وبالمثل استفادت أنجولا، وتشاد، وجمهورية الكونجو، وموريتانيا، والسودان، من المبادرة إذ  كانت أنجولا خاضعة لضغوط مالية شديدة، بسبب انهيار أسعار السلع الأساسية نتيجة لأزمة كوفيد-19. (9)

وبحلول سبتمبر 2020 أبرمت أنجولا اتفاقية مع ثلاثة من دائنيها الرئيسيين ــ بما في ذلك بنك التنمية الصيني (الذي تدين له أنجولا بنحو 14.5 مليار دولار) وبنك التصدير والاستيراد الصيني (الذي تدين له بنحو 5 مليار دولار) ــ تقضي بتخفيف ديونها على مدار السنوات الثلاث التالية.

وفي السياق ذاته استفادت زامبيا من المبادرة بعدما تخلفت عن سداد قسط فائدة بقيمة 42.5 مليون دولار مستحق على سندات مقومة بالدولار، وكانت على وشك التخلف عن سداد ديونها الخارجية البالغة 12 مليار دولار ــ ما يعادل نصف ناتجها المحلي الإجمالي. لكن نفس الدائنين الصينيين بادروا إلى تخفيف الضغط، حيث قام بنك التنمية الصيني بتأجيل سداد أقساط الفائدة وأصل الدين لستة أشهر، حتى إبريل 2021، وعَـلَّـق بنك التصدر والاستيراد الصيني كل أقساط الدين على حافظته من القروض السيادية التي تبلغ قيمتها 110 مليون دولار.

مخاطر الديون الصينية في أفريقيا

على الرغم من بادرة حسن النوايا التي أبدتها بكين بالموافقة على تأجيل سداد القروض إلا أن المقرضون الصينيون يميلون إلى وضع شروط  جديدة للاقتراض تكون أكثر صعوبة من ذي قبل، وبأسعار فائدة أعلى، و آجال استحقاق أقصر، وهو ما يعرض المؤسسات الأفريقية لمخاطر كبيرة كما حدث في أوغندا التي تقول تقارير صحفية إن الصين تسعى للسيطرة على مطارها الرئيسي في العاصمة (مطار عنتيبي الدولي) بعدما عجزت أوغندا عن سداد الديون الصينية.

وعلى الرغم من النفي الصيني لهذه المعلومات، إلا أن الدولة الأوغندية طالبت بشكل رسمي في نهاية نوفمبر 2021 من الصين تعديل اتفاقية قرض وقعتها مع الصين في عام 2015 لضمان عدم فقدان الحكومة السيطرة على المطار الدولي الوحيد في البلاد.

وفي هذا الصدد ذكرت وكالة بلومبرغ أن أوغندا  اقترضت 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لتوسيع مطار عنتيبي، لكن من بين بنود الاتفاقية والتي ترغب  الحكومة الأوغندية في تعديلها، حاجة هيئة الطيران المدني الأوغندية للحصول على موافقة من البنك الصيني بشأن ميزانيتها وخططها الاستراتيجية.

وقالت تقارير إعلامية إن هناك بندا آخر ينص على أن أي نزاع بين الطرفين يجب أن تفصل فيه لجنة التحكيم الاقتصادي والتجاري الصينية الدولية.(10)

هيمنة أم تعاون اقتصادي

جدد الموقف الأوغندي المخاوف المتصاعدة من تنامي ظاهرة الديون الصينية في أفريقيا، خصوصا وأن بكين تستهدف الدول الأكثر فقرا في القارة، وإغراء هذه الدول بالبدء في مشروعات خدمية عملاقة، في الغالب ستكون عوائدها الاقتصادية قليلة، وهو ما جعل الكثيرون يتخوفون من تنامي الديون الصينية في البلدان الفقيرة بالقارة.

هذا التوجه تؤيده دراسة مشتركة وحديثة حول مصادرة الأصول، أجرتها بروتيجام، وميج ريثماير، الأستاذ المشارك في كلية “هارفارد” للأعمال، وون كيدان، الأستاذ المشارك في القانون في جامعة “سياتل” للقانون، والتي تحذر من خطورة هذه الديون التي تتعدى على سيادة الدول، وتجعل البلدان الإفريقية مضطرة للذهاب إلى التحكيم الدولي، أو التقاضي أمام هيئة صينية محلية في حال وقوع خلاف أو عجزها عن سداد ديونها، بالإضافة إلى تعرض الأصول الأفريقية للخطر.

وتشير الدراسة إلى أنه بمراجعة العديد من عقود القروض الصينية المبرمة مع دول أفريقية تبين أن معظمها يتضمن لغة بشأن التنازل عن الحصانة السيادية فيما يتعلق بالتحكيم والإنفاذ، وعلى الرغم من ذلك لم يجد الباحثون بنودا متعلقة بـ”مصادرة أصول” صينية للإقراض السيادي في أفريقيا أو على مستوى العالم.(11)

 

أثر أزمة الديون على العلاقات الصينية الإفريقية

لا يمكن تحميل الصين وحدها المسؤولية عن تنامي ظاهرة الديون، فالمسؤول الأول عن هذه الأزمة هي الدول الإفريقية نفسها التي قبلت بهذه الشروط، ووقعت على عقود تمكن الصين من فرض نفوذها على بعض مؤسساتها، لكن مع عدم تمكن البلدان الأفريقية من تنفيذ مشاريع البنية الأساسية التي تحتاج إليها بشدة لدعم سكانها المتزايدين، لم تجد أمامها إلى الصين تمد يد العون لها.

حتى الآن لا تزال العلاقات الصينية الإفريقية جيدة، ولم تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر أمام هذه المزاعم، لكن على المستوى المستقبلي يمكن تفسير ذلك بثلاث سيناريوهات.

السيناريو الأول

يشير إلى أن العلاقات الصينية الإفريقية ستتأثر بأزمة الديون إلى حد كبير ، خصوصا مع تصاعد حالة التخويف المجتمعية، من تنامي النفوذ الصيني في بلدان القارة السمراء، ويميل هذا السيناريو على اعتماد الروايات الغربية التي تحذر من تفاقم أزمة الديون الصينية في أفريقيا، وتوظف وسائل إعلامها للتركيز على مخاطر هذه الديون.

وتنادي هذه الدول بضرورة التصدي للنفوذ الصيني المتصاعد في أفريقيا، خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة، ويؤيد ذا التوجه الأفارقة المنتمين فكريا للأفكار الليبيرالية، ومنظري الرأسمالية، والسوق الحر، والذين يتخوفون من تفاقم الأوضاع الاقتصادية بسبب التواجد الصيني، خصوصا في ظل اعتداء الشركات الصينية بشكل مبالغ فيه على الموارد والبيئة في أفريقيا، وعدم مراعاة هذه الشركات للاشتراطات البيئية العالمية.

ويقول أصحاب هذا الرأي إن الخطورة الصينية تتخطي حاجز التدخل الاقتصادي وتتعداه إلى الغزو الثقافي الممنهج، لبلدان أفريقيا.

السيناريو الثاني

يشير هذ السيناريو إلى عدم تأثير أزمة الديون على العلاقات الصينية الإفريقية، بل بالعكس، هذه الديون قد تجعل الدول الإفريقية في حاجة ماسة إلى الصين، خصوصا وأن الصين وظفت دبلوماسية المساعدات الخاصة بها بشكل جيد في أزمة كوفيد 19، وضخت عشرات الشحنات الطبية في هيئة مساعدات للدول الإفريقية، كما ساعدت دول كثيرة لتوفير اللقاح الخاص بالجائحة لسكانها، ليس هذا فحسب بل ساعدت الصين بعض الدول ومن بينها مصر في تصنيع اللقاح المضاد لكورونا محليا، مما زاد من ثقة كثير من الحكومات والشعوب في بكين، خصوصا وأنها قدمت نفسها كنموذج ناجح في تجاوز الأزمة الوبائية.

ويقول أصحاب هذا الرأي إن الطرفين بحاجة إلى بعضهم بشكل كبير، ويعتمد هذا السيناريو على الرؤية الصينية ذاتها التي تنفي بشكل قاطع وجود أي أطماع لدي بكين في ثروات هذه الدول، وكان آخر هذه التصريحات ما ذكرته السفارة الصينية في أوغندا والتي نفت بشكل قاطع مزاعم محاولة الصين للاستحواذ على مطار “عنتيبي الدولي” بسبب عدم قدرة أوغندا على سداد ديونها.

وقالت سفارة الصين بأوغندا في بيان رسمي، إن “المزاعم الخبيثة” بأن أوغندا تنازلت عن مطارها الدولي بسبب فشلها في سداد قروض صينية “ليس لها أساس واقعي”.

وأوضحت: “المقصود من تلك الادعاءات تشويه العلاقات الجيدة التي تتمتع بها الصين مع الدول النامية ومن بينها أوغندا.. لم تصادر الصين مشروعًا واحدًا في إفريقيا بسبب فشل أي دولة في سداد القروض الصينية”.

وتابعت: “على العكس من ذلك، فإن الصين تدعم القارة بقوة وترغب في مواصلة جهودها لتحسين قدرة إفريقيا على التنمية المدفوعة بأجندات وطنية”. (12)

 السيناريو الثالث

يقر هذا السيناريو بوجود أزمة حقيقة تواجه البلدان الإفريقية، بسبب الديون الصينية المتصاعدة، لكنهافي الوقت نفسه، تقلل من إمكانية تأثر العلاقات الإفريقية في المجمل بهذه الأزمة، وهو ما يؤيده الباحث، خصوصا وأن هناك جهات دولية أخرى لديها رصيد كبير من الديون لدى الدول الإفريقية، بل بالعكس هذه الجهات تحاول فرض سياسة اقتصادية محددة على البلدان الإفريقية مقابل الاقتراض.

من بين هذه الاشتراطات ما يفرضه صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وهما من أكبر المؤسسات الدولية، ولا يقبلا بتقديم قروض للحكومات الأفريقية إلا بعد فرض شروط تتمثل في السوق الحر، وتخفيف الدعم، وتحرير أسعار صرف العملات وغيرها من القرارات التي تنفذها بعض الدول الإفريقية رغما عنها  طمعا في الحصول على خدمات هذه المؤسسات.

رسم توضيحي لمعدل الديون في أفريقيا (13)

 

ويوضح الجدول السابق أن الصين وإن كانت تحتل المركز الثاني في قائمة الدول الدائنة لأفريقيا إلا أن حصتها لا تتجاوز 24% بينما صندوق النقد الدولي يستحوذ على 32%.

وعلى الرغم من ذلك إلا أنه في الوقت نفسه، يجب الاعتراف بوجود حالات استقطاب حادة تحدث حاليا في أفريقيا من قبل الفاعلين الدوليين، وتدور رحاها بين الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

تحاول واشنطن مع حلفائها الغربيين تشويه صورة الصين بشكل كبير في أفريقيا، والترويج لفكرة مصيدة الديون الصينية، في الوقت الذي تمارس المؤسسات الأمريكية والأوروبية، أفعالا مشابهة لما تقوم ب الصين، وهو ما قد يرجح كافة التوازن في النهاية، خصوصا وأنه على الأرض لا تزال النظرة الاستعمارية لهذه الدول مترسخة في العقلية الإفريقية، وهو ما يجعل هناك تأييد شعبي للتقارب مع الصين وروسيا في مقابل الرفض المتنامي للوجود الأوروبي صاحب  الإرث الاستعماري.

ويويد السيناريو الثالث ما يقوله ديفيد شين، الأستاذ في كلية “إليوت” للشؤون الدولية بجامعة “جورج واشنطن”، والذي يؤكد أن الرواية الأميريكية حول دبلوماسية “فخ الديون” معيبة بسبب افتقارها إلى الفروق الدقيقة.

ليس هذا فحسب بل إن الرواية الأمريكية التي تروج لفخ الديون تتجاهل حقيقة أن  الصين تمتلك 20 في المئة من ديون أفريقيا فقط، بينما أطراف أخرى تمتلك الباقي، وأن هناك من 8 إلى 10 دول في أفريقيا الآن تعاني من ضائقة ديون، وتمتلك الصين أكثر من 20 في المئة من ديونها.

ومع ذلك يشير شين إلى وجود قلل متنامي أيضا يتمثل في حديث الصين عن مقايضات محتملة للديون بأسهم مؤسسات أفريقية، وهو ما يشير إلى خطورة بالغة في حال حدث ذلك، لأن الصين ستكون شريكة للدول الإفريقية في المرافق التي تبينها وهو ما يعزز نفوذها وسيطرتها على الدول الإفريقية. (14)

 

الخلاصة

خلاصة القول في هذا المقام، أن الصين تحاول استغلال أزمة الديون  التي تفاقمت مع انتشار جائحة كورونا لخدمة أهدافها الاقتصادية في أفريقيا، لكن علاقتها الدبلوماسية لن تتأثر كثير بهذه الأزمة، إلا في الحالات التي تتدخل فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، أصحاب النفوذ الأقوى في أفريقيا على  المستوى الدبلوماسي والعسكري، لاستقطاب بعض الأطراف، كما أن هذه الأجواء القاسية تجعل بعض الدول عرض لمحاولة لاستقطاب السياسي، وعرضة للتدخلات الخارجية الحادة، وهو ما قد يحدث في مناطقمن  شرق أفريقيا، مع دولة كإثيوبيا تحديدا، و التي تعاني حاليا من حرب أهلية طاحنة، وأزمة اقتصادية تجعلها تواجه استقطابات خارجية سواء على مستوى الحكومة الفيدرالية أو حتى مجموعات المعارضة المسلحة.

وإضافة لذلك يمكن استخلاص أن الصين تحاول توظيف أدوات القوة الناعمة (ثقافيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا،.. إلخ) لخدمة مصالحها في أفريقيا إلا أنها تركز بشكل رئيسي على أدوات القوة الاقتصادية  التي تلعب الدور المحوري والأساس في رسم العلاقات الصينية الإفريقية؛ إن تتوسع الصين على المستوى القاري من خلال الاستثمار المباضر في مشروعات البنية التحتية طويلة الأمد، وتعمل على تنشيط التجارة بينها وبي الدول الإفريقية.

الأمر الآخر أن كثير من الدول الإفريقية تحاول الاستفادة من حالة الصراع الدولي بين الصين والولايات المتحدة لتحقيق مكاسب اقتصادية على المستوى الداخلي، من خلال إظهار التقارب مع طرف طمعا استمالة الآخر، ويحدث ذلك غالبا مع الصين، إذا أن بعض الدول الإفريقية تستخدم علاقتها مع بكين للضغط على الولايات المتحدة، للتغاضي عن بعض القضايا المتعلقة بالحكم الرشيد، والانتقال السلمي للسلطة، وقضايا حقوق الإنسان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المراجع

1- حكمت عبد الرحمن، استراتيجية الصين الجديدة في أفريقيا، سياسات عربية، العدد 22، سبتمبر 2016. ص 71و 72.

2-قط سمير، الإستراتيجية الاقتصادية الصينية في إفريقيا:فترة ما بعد الحرب الباردة قطاع النفط أنموذج ، (رسالة ماجستير، مقدمة إلى كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر- بسكرة – 2007/2008) ص 60،61.

3 – العين الإخبارية، 208.7 مليار دولار قيمة التجارة بين الصين وأفريقيا في 2019، 3-4-2020، على الرابط التالي https://al-ain.com/article/billion-worth-trade-china-africa-2019.

4-طاهر هاني، هل الصين بصدد بسط نفوذها في أفريقيا؟ فرانس 24، 03/09/2018على الرابط التالي.. https://www.france24.com/ar/20180903-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%

5- أميره محمد عبد الحليم، الصين تجني 440 مليار دولار أرباحًا من إفريقيا بحلول 2025، مركز أبحاث الخليج،31-12/2018، على الرابط التالي https://araa.sa/index.php?option=com_content&view=article&id=4556&catid=4122&Itemid=172

6- هاني طاهر، هل الصين بصدد بسط نفوذها في أفريقيا؟ مرجع سابق.

7- الغد، قبضة الديون الصينية على أفريقيا، 25/1/2021، على الرابط https://alghad.com/%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9-

8- كفاية أولير، هل أوقعت الصين الحكومات الأفريقية في شرك الديون؟ اندبندنت عربية، على رابط https://www.independentarabia.com/node/282011/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-

9- باولا سوباتشي، إبراهيم محمد علي (مترجم) قبضة الديون الصينية على أفريقيا، Project Syndicate، 5 يونيو 2021. على رابط https://www.project-syndicate.org/commentary/covid19-africa-debt-relief-china-by-paola-subacchi-2021-01/arabic

10- الشرق الأوسط، أوغندا تطلب من الصين تعديل بنود قرض يتعلق بمطارها الدولي الوحيد، رابط https://aawsat.com/home/article/3330591/%D8%A3%D9%88%D8%BA%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D8%AA%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D9%85

11- كفاية أولير، هل اعتمدت بكين دبلوماسية “فخ الديون” للاستيلاء على أصول الدول الفقيرة؟، 28/2/2021 على رابط https://www.independentarabia.com/node/197771/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-

 

12- المال، “مزاعم خبيثة”.. الصين تنفي مصادرة مطار عنتيبي الدولي في أوغندا لاستيفاء قروضها، نشر في 29/11/2021، على رابط https://almalnews.com/%D9%85%D8%B2%D8%A7%D8%B9%D9%85-

13- د. جيهان عبد السلام، أزمة الديون في أفريقيا في ظل وباء كورونا دراسة، مركز فاروس للدراسات والاستشارات الاستراتيجية، 4-4-2021، على رابط https://pharostudies.com/?p=6542

14- كفاية أولير، هل اعتمدت بكين دبلوماسية “فخ الديون” للاستيلاء على أصول الدول الفقيرة؟، 28/2/2021 مرجع سابق

بعد ان تناولنا موضوع أثر أزمة الديون على العلاقات الصينية الأفريقية «دراسة» يمكنك قراءة ايضا

فلسطين في أسبوع.. حملة إلكترونية ضد حماس في غزة.. وكورونا يتوغل في الأراض المحتلة

الدكتور رمضان البحباح يكتب.. حكومات وطنية في قالب استعماري

يمكنك متابعة منصة العرب 2030 على الفيس بوك

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى